الموقع الرسمي لمدينة الكسوة نت

الكسوة نت .. موقع أخبار الكسوة .. بكل لحظة .. من أجل الكسوة

اعترافات من صميم القلب .. بقلم الدكتور أحمد رمان

13 مارس, 2010

اعترافات من صميم القلب



هو : تنهد قليلاً وظهرت في عينه دمعة , ثم قال : أنا أعمل عتّالاً في سوق الهال منذ سنوات طويلة , ولم أكن أملك الوقت اللازم للجلوس في البيت وحل المشكلات مهما كان نوعها , فقد كان يبدأ يوم عملي من الساعة السادسة صباحاً حتى الساعة السابعة مساءً , فتصوّروا رجلاُ مثلي هل يملك الوقت لذلك ؟ , وتصوروا مهنتي أيضا ً هل هذه المهنة سوف تسمح لي بأن آتي في المساء لأحكم على الأمور ويكون حكمي عادلاً ؟.

كنت أسمع النشرة الرسمية عن البيت دائماً من زوجتي , وأنا أعلم علم اليقين أنّ في هذه النشرة الكثير من المبالغات , فقد كنت أستفسر عن الفجوات المضللة في هذه القصة من الأولاد الذين كانوا يخبرونني ببراءتهم المعهودة الخبر اليقين .

كانت زوجتي دائمة التأفف من والدتي , وتشتكي منها دوماً , ولم أدخل يوماً إلى البيت إلا وتأتيني قائمة من الشكاوى من زوجتي على والدتي , لم أكن أفاتح والدتي بالموضوع أبداً لأني كنت أستحي أن أنظر في عينيها أو أوجه إليها أي لوم مهما كان صغيراً , فقد كنت وحيدها الذي خرجت به من الدنيا إلى جانب أخت لي متزوجة ولها أولاد , وكنت منذ نعومة أظفاري الشغل الشاغل لها , فقد كانت ترى فيّ حياتها ومستقبلها .

في الفترات الأولى من زواجنا بدأت والدتي تلاحظ اهتمامي بزوجتي وتوددي لها , وصارت تفسره على أنه ابتعاد عنها , وهي التي ربتني طوال السنوات شبراً بشبر, و تعتبر نفسها أنها المالكة لي دون منازع , وجاء من يشاركها في هذه الملكية ,وخصوصاً أن والدي قد توفي شابّاً وترك عليها مهمة تنوء بحملها الجبال , فبدأتْ تشعر بأنها قد فقدتْ شيئاً غالياً , فصار يظهرعليها التذمّروالغضب لأتفه الأسباب .

و بالمقابل كانت زوجتي فرداً جديداً في عائلتنا , تتطلع إليّ على أنني أقرب الناس إليها , فكانت إلى جانبي قلباً وروحاً وكانت تهتم بي أكثر من اهتمامها بوالدتي بحكم الفطرة .

كانت تتجاهل في البداية تذمر والدتي التي كانت تنظر إلى زوجتي على أنها سرقت منها شيئاً غالياً يخصّها , ولكن عندما أصبحت الانتقادات تتخطى حدود التحمل عند زوجتي حصل التصادم الذي كنت أتمنى ألا يحصل .

أصبح الاعتراض من زوجتي على هذا الوضع يصل لحد استحالة العيش في هذا المنزل طالما والدتي موجودة بيننا , بينما كنت أنا أطيب خاطرها وأمنّيها بمستقبل مشرق سوف يأتي في قادم الأيام , وأن والدتي امرأة كبيرة في السن , ولا يوجد لها بعد الله في هذه الدنيا سواي , و أن عليها التحمل كرامة لي و لأولادها .

وأنا في الحقيقة لم أجد هذا الصراع بين والدتي وزوجتي أنه يتعدّى ما يحصل في معظم البيوت , فقد كان رأيي أنه صراع قدري أزلي لن ينتهي مدى الدهر حتى يرث الله الأرض ومن عليها , وأنه سوف ينتهي بالإنهاك , أي سوف يقوم كلا الطرفين بإنهاك الطرف الآخر , وبعدها سوف تغرق زوجتي بالانشغال بأولادها سحابة نهارها , فلا تجد الوقت الكافي للصراع مع والدتي , وسوف تنشغل والدتي بخدمة نفسها وقد شارفت على سن السبعين من العمر .

ولكني كنت في الحقيقة مخطئاً فقد احتدم الصراع أكثر وخرجت الأمور من بين يدي , ولكن الأمر الملفت في الموضوع أن والدتي لم تشتكِ إليّ يوماً , و كنت أرى الحزن دائماً في عينيها .

أصبح الصراع مع والدتي ممتعاً بالنسبة لزوجتي , وخصوصاً أنها بدأت تربح جولاته الأولى , وبدأت والدتي تخضع لشروطها في تدبير المنزل وشؤون الحياة , ولم أستطع انتقاد زوجتي لأنها كانت مدبرة بيت ممتازة , وكانت تستر فقرنا الذي كنت أخاف أن يفتضح خارج جدران منزلنا , وخصوصاً أن لها أم ( أعوذ بالله ) نشرة أخبار متنقلة .

كنت آخذ المعلومات الصحيحة إلى حد ما دائماً من الأولاد , ولكن ذلك لم يعد يُجْدي لأن رواية الأولاد صارت مطابقة لرواية أمهم .

أنا إنسان سلبي وانهزامي في عملي , وهذا هو شأني في بيتي أيضاً , كنت أتمنى لو كنت عند حسن ظن والدتي بي , حيث كانت تعتقد بأنها قامت بتربية شبل يقف في وجه الخطوب والملمات , ولكنها أصبحت تراني رجلاً قليل الحيلة متعثراً بخطواته في الحياة وأيقنَتْ بصحة المثل العامي القائل ( ربّت المرأة ثوراً فما حرث ), لذلك لم تكن تعتمد علي في الأخذ بحقها , بل صبرت صبر الجبال على الحياة في منزلي , الذي أصبح بالنسبة لها جحيماً لم يعد يطاق , عل الله يهدي زوجتي يوماً وتستقيم الأمور .

ولكنّ هذا لم يحصل , وطلبت أختي أن تقيم والدتي عندها فرفضتُ رفضاً قاطعا ً ولكنني استسلمتُ في النهاية أمام إصرار والدتي , وكان خروجها من بيتي إلى بيت أختي أمراً مؤلماً جداً بالنسبة لي .

هي : كنت وأهلي نعيش فقراً مدقعاً , وكان لوالدي أربع بنات وهو في انتظار أي عريس يطرق الباب ويملك الحد الأدنى من الكفاف حتى يزوّجه واحدة منا .

وجاء في يوم من الأيام نصيبي على زوجي , و فرحتُ أشد الفرح بالزواج لأنه في النهاية قدر كل بنت مهما كانت المعيشة عند الزوج قاسية .

كانت أيام زواجي الأولى ممتعة جداً أنستني كل همومي السابقة , وخاصة اهتمام حماتي بي في البداية , فقد كنت زوجة ابنها الوحيد , والتي سترزق منه كل أحفادها الذين تحلم بهم , وبادلني زوجي بمحبة لم أحلم بها قبل ذلك , وسارت حياتنا على مايرام رغم الفقر الذي كنا نعيشه .

بدأت حماتي تبدي الكثيرمن الملاحظات على عملي في المنزل ,منها ما تقبلته نفسي ومنها ما لم تتقبله , حتى وصلت ملاحظاتها إلى كيفية تعاملي مع زوجي , وهذا هو الأمر الذي بدأت أرفضه و أعلن الاعتراض عليه بين الفينة و الأخرى .

زاد اعتراضي مع الأيام حتى أصبحتُ أعترض لأتفه الأسباب , ورضيَتْ حماتي بالأمر الواقع وصارت ( تريد سلتها بلا عنب ) وصارت ترضى بكل ما أقوله مهما كان جائراً .

وأصبحت والدتي ( سامحها الله ) تحرضني , حتى أعمت عينيّ بشكل كامل عن كل مكارم الأخلاق التي كانت تتمتع بها حماتي , فصِرْتُ أراها قبيحة جداً في عينيّ , و لم أعد ألتمس لها أي عذر , وقد ساعدني على ذلك غياب زوجي عن المنزل طوال النهار في عمله , وما جعلني أطمع أكثر أن حماتي لم تكن تشتكِ إلى ابنها لا صغيرة لا كبيرة مما يحصل بيننا , خوفاً عليه من الحزن والأسى , وخاصة عندما تراه يأتي في المساء وقد أضناه التعب والإعياء .

كانت أخت زوجي تزورنا بفترات متباعدة إلى حد ما , ولكنها فجأة أصبحت تزورنا كل ثلاثة أيام , وكأنها قد شعرت بما آلت إليه أحوال والدتها , وصارت نظراتها إليّ مملوء بالغيظ والحنق يوماً بعد يوم , ثم وبشكل مفاجئ انفجر ذلك الغيظ عندها و أفرغت جام غضبها علي .

لم أقف عاجزة في هذا الموقف , بل كِلْتُ لها الصاع صاعين , فأحسّتْ بأن هذا الجدال بيني وبينها جدال عقيم لن يعطي أي نتيجة كانت ترجوها مني , فوجهت لي في النهاية كلاماً أثلج صدري فقد قررت أخذ والدتها لتسكن معها في منزلها , فشعرت في تلك اللحظة بأن ثماري قد أيعنت , وما زرعته سوف أحصده .

وجاء المساء واجتمعت بأخيها و أخبرته الخبر فرفض الفكرة رفضاً قاطعاً من أساسها , ووجه كلاماً قاسياً إلى أخته علّها تنسى هذه الرغبة لديها , ولكنه رضخ في النهاية عندما صعقه كلام والدته ورغبتها الكبيرة والملحّة في الانتقال للسكن عند أخته , ثم سكت ولم يعطِ أي جواب وكأنّ هذا السكوت كان علامة القبول .

انتقلت والدته للعيش عند أخته , ولم أعرف أ كانت سعيدة عندهم أم لا ؟ فهذا الأمرعلى كل حال لم يكن يهمني , المهم أنني صرْتُ سيدة منزلي دون منازع .

وبعد مرورعدة أشهروسنوات على خروج حماتي من منزلها إلى بيت صهرها , بدأت أشعر بعِظم ِما فعلته وأنني بالفعل الآن قد بدأت أحصد ما زرعته , ولكن هذا الزرع كان من نوع آخر إذ كان طعمه مرّاً .

فقد أصبح زوجي دائم الحزن , وبدأت محبته لي بالتناقص شيئاً فشيئاً حتى أنه زاد ساعات عمله في السوق حتى يتحاشى النظر في عينيّ , وصار وجوده إلى جانبي دون مشاعر تُذكر .

وكبر أولادي وصار همهم أكبر , وصاروا يتعبونني بشكل كبير , و كأن لعنة حماتي قد حلّت عليّ , وصارت أسئلتهم تلاحقني في البيت كالأشباح : لماذا تقيم جدتي عند عمتي ولاتقيم عندنا يا أمي ؟ هل صهرها مسؤول عن رعايتها أم ابنها !! أي والدي ؟ , حتى كانت تلك الملاحظة من ابني الكبير الني جرحت مشاعري من العمق إذ قال لي : أتمنى أن يأتينا زوج لأختي كريم وذو أخلاق رفيعة كزوج عمتي .

أيقنت عندها كم كان ذنبي كبيراً بإبعاد زوجي عن والدته إرضاء لنفسي الأمارة بالسوء , وبإبعاد حماتي عن ابنها وما كان يمثل لها في الحياة .

وما زاد الطين بلّة وفاة حمالتي وعدم طلبي السماح منها , وأصبحت حياتي فيما بعد أصعب , فقد ابتعد عني أولادي كما أبعدت حماتي عن ولدها , فمن بنت قد تزوجت , إلى ولد صار يدرس في جامعة في محافظة أخرى , وولد قد سافر إلى بلاد بعيدة طلباً للرزق .

فصرت وحيدة في البيت بين أربع جدران أمنّي نفسي بعودة الغائبين من أولادي ولكن العمر يمضي وسيعود الغائبون ولكن أتمنى ألا يكون بعد فوات الأوان .

أخته : كان حظ والدتي مني على غير ما هي كانت تتوقع , فأنتم تعلمون كم للصبي من فضل على البنت في مجتمعنا , فقد طلبتُ من أخي أن أقوم بكفالة أمي بعد استئذان زوجي , لما رأيت من ظلم زوجته وإذلالها لها , رفض أخي في البداية رفضاً قاطعاً ولكنه استجاب في النهاية لرغبة أمي التي ألحت عليه في الطلب , و كان حظ والدتي من صهرها أفضل من حظها من ابنها , فهو قد فقد والدته منذ الصغر , ووجد عندها الصدر الحنون الذي فقده طوال سني حياته , وكانت والدتي تحبه وتكرمه كثيراً لأنه صهرها الوحيد من جهة و لأنه كان يكرمني أشد الإكرام من جهة أخرى .

وحينما حضرتُ لأخذ والدتي رأيت السعادة والفرح في عيني زوجة أخي , التي لم تمانع أبداً في أخذنا لها , بل قامت بالتوضيح الكامل لمتطلباتها اليومية, وكانت قد حضّرت أغراضها الشخصية دون أي نقص .

ولم يكن أخي موجوداً في البيت وقد كان مصرّاً أن لا يكون موجوداً لأن ذلك سوف يكسر قلبه , ولم يكن يتمنى أن يرى الشماتة في عيني زوجته .

عاشت والدتي عندي ما يقارب العشر سنوات بفرح وسرور , وكانت هي صاحبة البيت ونحن الضيوف عندها , وفرح زوجي بها وكذلك أولادي , وكان أخي يزورنا باستمرار للإطمئنان عليها , ويدعوها في كل مرة للذهاب معه والإقامة في منزله وكانت ترفض بشدة , وكم كان ذلك يحزنه ويجرح شغاف قلبه , وكان الحزن يظهر في عينيها عندما يغادر إلى منزله , حتى ألمت بها وعكة صحية لم تمهلها إلا بضعة أيام حتى عاجلها الموت وغيبها تحت طبقات الثرى .

أحسستُ بعد موتها بأن سراجاً في منزلي قد انطفأ , و أن بركة كانت تحلّ في دارنا وغيبها الموت عنا , بكيت كثيراً لفراقها , وعلمتني الأيام بوجودها معنا وبعد غيابها كم هو أمر عظيم رضا الوالدين ,فقد كان أولادي معي كما كنت معها تماماً ما نقص منه شيء ولا حتى مثقال ذرة .

بينما كان أخي ينتحب كلما أتى لزيارتي بعد وفاة والدتي وكنت أقرأ في عينيه الندم ولكن هيهات هيهات فأين ينفع الندم .

انتهى

بقلم الدكتور أحمد رمان

التعليقات

  1. ابو زكريا يعلق,

    مشكووور دكتور

  2. ميرفت يعلق,

    سرد مميز دكتور احمد رمان يعطيك العافيه

  3. زك زك الفهمان يعلق,

    دكتور احمد موضوعك جميل فيه العبر

  4. زهير النجار(السعودية) يعلق,

    الله يهدي النساء ويتقو الله في حمواتهم لانو الحماية المفروض مثل الام تمام واضيف كما تدين تدان وكما تزرع تحصد وشكرا دكتور احمد واحييك على مواضيعك الحلوة والحساسة

  5. احمد ظريفه يعلق,

    جزاك الله خيرا يادكتور في كل بيت من بيوت هذه البلده مشكله اتمنى من الله ان تكون القصه عبره امام كل رجل يحب ان يبر والديه

  6. الهام ياسين يعلق,

    تعودنا يا دكتور احمد على قراءة مواضيعك وقصصك المشيقة
    نرجوا ان لا تحرمنا منها

  7. zozo يعلق,

    مشكور دكتور على السرد المميز

  8. محمد الخاوندي -أبو النور يعلق,

    موضوع مهم جداً …..وبالفعل من أصعب الأشياء ان ترى الأم التي حملت وربت وتعبت ولدها يصبح لزوجته فقط وهذا حاصل للأسف في بعض الأسر ..ولكن أنا متأكد بأنه كما تدين تدان والدنيا دين ووفا ….والمحروم من يحدث معه هذا …تحياتي للدكتور أحمد ..على هذه القصة المؤثرة … وتحياتي لكم ولعائلتكم الكريمة

    أبو النور

  9. ملك الربع الخالي في السعودية يعلق,

    مشكور دكتور احمد علىالكلام الصادق والنابع من القلب كما تبين لنا في روايتك التي يخشى الكثير من الناس بالاعتراف بها ومشكور على هذه الشجاعة الكبيرا التي موجودا لديك
    وارجو من كل امراة ربة منزل ان تئخذ من وراء هذه القصة عبرا لها
    كما ارجو من كل رجل ان يئخذ ايضا عبرا من كلماتك الصادقة
    ملاحظا/ حب الرجل للمرئى لا يتفوق على حب الام
    المرسل / السيد ابو علاء ادهم البراق / من السعودية /الرياض

أضف تعليق