أبريل 8, 2009
الحلقة الثانية من رجل عبر التاريخ

تخلّدُ القادةَ العظماءَ والعباقرةَ المبدعين والشهداءَ والثوارَ والمصلحين، بطولاتُهم وإبداعاتُهم وحكمتُهم وقدراتُهم الاستشرافية وشجاعتُهم في مواجهة الأعداء
وأفكارهم ومواقفهم، وتفانيهم في قضايا أمّتهم وفناؤهم في شخصيتها ووجدانها ، وتعبيرُهم الأصيل عن قيمها وهويّتها، وأسمى عناصرها الحضارية، وآمالِ وتطلعات أبنائها وجماهيرها من أجل حياة حرّة كريمة، تليق بتاريخها ومكانتها بين الأمم والشعوب القويّة المحترمة. هذا هو شأن القائد الخالد حافظ الأسد، الذي وهب ذاته وكرّس حياته للمبادئ والقيم العظيمة.. فأصبح المعبّر والناطق الصادق باسم أمّته وهمومها وأهدافها وطموحاتها.. حتى أنه وُصِفَ في دراسات ومؤلفات عديدة بأنه «أمّة في رجل» وبأنه «لو لم يظهر القائد الخالد حافظ الأسد لكان تاريخ سورية على غير ماهو عليه الآن»، وأنّ «اسم سورية.. ونهضتها المعاصرة ارتبط عضوياً باسم قائدها وملهمها وباني مجدها القائد الخالد حافظ الأسد في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين».
لقد كتبت مئات الدراسات والمقالات التحليلية حول شخصية هذا القائد العظيم.. ومن جوانب وزوايا مختلفة.. بعضها ركّز على المكونات العقائدية والفكرية، وتعمّقت بحوث أخرى في الجوانب القيادية والنفسية.. وركّز بعض الدارسين على تكوينه العسكري وعناصر الشجاعة والتحدي في شخصيته الفذّة.. في حين عدّه دارسون آخرون قمّة في علم السياسة وفنون التفاوض والدهاء والقدرة الخلاقة على ابتكار الحلول في أصعب المراحل، وأعقد الحالات.
في الاعدادية والثانوية من حياته التعليمية برز بين أقرانه متمتّعاً بجملة من المواهب والقدرات القيادية المتميزة.. وفي مقدمتها نضجه الفكري المبكر والتزامه السياسي بالبعث ومبادئه القومية الشاملة، وقيادته لزملائه الطلبة في المظاهرات المعادية للأحلاف الاستعمارية والرجعية وقوى التخلّف.
في الجيش والقوات المسلّحة كان المحورَ الارتكازيَّ الذي التف حوله الضباط الأحرار، الرافضون للتبعية والقطرية الضيقة والديكتاتوريات المشبوهة.
في الحزب كان المثل والقدوة في المبدئية والغيرية والاستعداد للتضحية ونكران الذات.
وتحدث رفاقه الأقربون، كالرفيق عبد الله الأحمر ـ الأمين العام المساعد للحزب ، والرفيق العماد أول مصطفى طلاس، عن صفاته وسجاياه وقيمه المبدئية والخلقية ومواقفه البطولية في أحلك الساعات وأصعبها، وعن تمسكه الأصيل بحقوق أمته ومصالحها، ورفضه كل الإغراءات، والضغوط والتهديدات بإباء قومي وشجاعة نادرة وإيمان مطلق بشعبه وحقوقه ومستقبل أمته.
وكانت الحكمة الخطَّ الفاصلَ بين الشجاعة والتهور..تساوى لديه القوي والضعيف في موازين الحقّ والعدل؛ فما أرهبه قويٌ مهما عظمت قوته، وما انقضّ على ضعيف مهما بلغ ضعفه.. كان قويَّ الإيمان بالله والثقة بالأمة، مدركاً أنّ القوة الغاشمة مهما بلغت سطوتها لن تستطيع هزيمة الإيمان مهما ضعفت وسائله».
وإذا كان هنري كيسنجر برز في السبعينيات مثل «شيطان انفلت من عقاله» (تبعاً لوصف باتريك سيل)، من خلال تمتعه بصلاحيات واسعة غير محدودة، على خلفية الضعف الرئاسة الأميركية، وكان شديد الإخلاص والولاء لـ «إسرائيل» وسياساتها، واستطاع ببراعته وتكتيكاته الملتوية اكتساح العقبات وإلغاء الآراء المعارضة له سواء في «البنتاغون» أو في وزارة الخارجية، واستطاع أن يتلاعب كما يشاء بعواطف وشخصيات معروفة في المنطقة العربية.. إلا أنه وباعترافاته الصريحة فشل فشلاً ذريعاً إزاء «تصلّب ودهاء وذكاء القائد الخالد حافظ الأسد» (انظر: مذكراته المترجمة الى العربية تحت عنوان «هنري كيسنجر في البيت الأبيض»).
وبعد أن نجح القائد الخالد في إفشال المخطط الإسرائيلي ـ الأميركي في لبنان، وبالتالي إلحاق الهزيمة بأصحاب هذا المخطط الجهنمي، وفي مقدمتهم هنري كيسنجر، تحول الموقف إلى «كابوس» مخيف لكيسنجر، حيث «أثبت القائد الخالد الأسد أنه أذكى وأصلب منتقد ومعرقل لدبلوماسيته» (باتريك سيل).
لقد كان القائد الخالد يتمتع برؤية استراتيجية شاملة لمجمل الصراع العربي ـ الصهيوني، وكانت أبرز نقاط افتراقه الأساسية والجذرية مع الخائفين والمفرّطين واللاهثين وراء المكاسب الآنية والحلول الانفرادية والمستسلمين لمخططات الصهيونية والقوى الداعمة للعدو الصهيوني.. تتمثل في إيمانه الكبير بقدرات الأمة العربية وطاقاتها وإمكانية نصرها، «فكان دائماً رجلاً صبوراً، قادراً على استعمال النفس الطويل في نظرته الى الصراع مع «إسرائيل». وكان يعتقد أنّ الزمن الى جانب العرب؛ ولذلك أشار على الزعماء العرب الآخرين بأن لايتعجّلوا، وأن لا يتفاوضوا بتهوّر، وأن لايقدّموا تنازلات من مواقع ضعف» (باتريك سيل، ص 562).
وتمشياً مع هذه الرؤية الشمولية للصراع دعا القائد الخالد الى إقامة توازن استراتيجي فعّال من شأنه لجم الروح العدوانية التوسعية لدى «إسرائيل»؛ لأنه «من الصعب أن يقوم السلام بينما تبدو «إسرائيل» أو تشعر أنها أكفأ من الآخرين».. وهو ما يقتضي منّا «أنْ نتقدم سريعاً في المجال الثقافي، وفي المجال الاقتصادي، وفي المجال الاجتماعي عموماً.. وترتيباً على ذلك، في المجال السياسي، وكذلك في المجال العسكري» (من الحديث الذي أدلى به القائد الخالد لصحيفة «ليبراسيون» الفرنسية في 19/2/1986).
إنّ مفهومه للتوازن الاستراتيجي يقوم أساساً على مبدأ شمولية الصراع وحشد كلّ الطاقات والقدرات.. إنّه «لايعني توازن دبّابة بدبّابة ومدفع بمدفع فقط، بل يعني التوازن في مختلف جوانب الحياة السياسية والبشرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية.. وإنّ إهمال أيّ من هذه العناصر سيترك ضعفاً لامفرّ منه في جَسَد هذا التوازن.. ونحن ندرك أنّ هذا الأمر لايتحقق بين يوم وآخر؛ وإنما يحتاج إلى وقته المناسب وجهده المناسب».
ورغم حجم المؤامرات والتهديدات والاختراقات التي حقّقها الأعداء في جبهات ومواقع عربية مؤثّرة، فإن القائد الخالد ظلّ إلى آخر لحظة في حياته الكفاحية العظيمة مؤمناً بصورة مطلقة بأمته وشعبه وبالمستقبل. .ومع إدراكه الواعي الدقيق لتلك القوى الكبيرة المعادية للعرب، إلا أنه كان يؤمن بقوة «الحقّ الساطع والشعب العربي الواسع». ولهذا كان يؤكد دائماً: «إنّنا لن نستسلم للهيمنة الصهيونية، ولن نستسلم للتهديدات الامريكية ولا للجبروت الأميريكي المتجسّد بالإعلام الضخم في العالم، والمتجسّد بالأساطيل وبالطائرات والاقتصاد والمال.. ويشكّل الأدوات اللازمة للضغط والتخويف، والإرهاب الذي يحملون زوراً وبهتاناً لواء مكافحته، وهم بكل تأكيد أبشع مثال عرفه التاريخ لأناس يقودون ويخططون وينفّذون الإرهاب» في العالم.
لقد كان القائد الخالد دقيقاً وعميقاً وعبقرياً فذاً في رؤيته لأهمية الوحدة الوطنية والدور المحوري للجبهة الوطنية التقدمية والتعدّدية السياسية والاقتصادية، ومجمل المتغيرات الدولية الحاصلة في العقدين الأخيرين، ولم يَحدْ قيد أنملة عن المبادئ والقيم العظيمة التي نذر حياته النضالية لأجلها، وبقي يؤكّد إلى اللحظة الأخيرة أنّ «الصراع مستمر» وأن «من الصعب أن تستجيبب «إسرائيل» لمتطلبات السلام العادل وهي تشعر بالتفوّق.. ومن هنا فالتوازن الاستراتيجي بالنسبة لنا هو أمرٌ ثابت ومستمرٌ ولايتعلّق بأية متغيرات».
كانت عبقرية القائد الأسد واضحة المعالم والقسمات في مجمل مسيرته الكفاحية الخالدة، وقد ركّز دائماً على امتلاك الوطن طاقات جبّارة، مشيراً الى خطأ من لايدركون عمق ومضمون تلك الطاقات؛ إذ «برهن شعبنا عبر التاريخ أنّ عطاءه يزداد بازدياد التحدّي، حيث تصقل المواهب ويتفانى الناس في البذل والعطاء».
وأشار في مناسبات عديدة أنّ «حالة التغيير لاتبدأ من العدم، كما أنها لاتنبت من بذور نمت وترعرعت في خارج بيئتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وانما هي عملية متجددة متطورة، عناصرها في الماضي، وتطلعاتها نحو المستقبل.. ويسير التطور حسب علاقة تتجدّد عزومها باستمرار، مع تجدّد الحاجات وتطوّر المجتمع».
لقد أكّد قائد مسيرة الحزب والشعب؛ مسيرة التطوير والتحديث، سيادة الرئيس بشّار الأسد « أن نهج القائد الأسد كان نهجاً متميزاً؛ وبالتالي فإن الحفاظ على هذا النهج ليس بالأمر السهل، ولاسيما أننا لسنا مطالبين فقط بالحفاظ عليه وإنما بتطويره أيضاً.. وهذا يحتاج الى الكثير من العمل والجهد على المستويات كلها بهدف البناء على ماتحقّق في عهده الزاهر لنعلي البنيان ونضاعف الإنجازات، مصمّمين على تذليل الصعوبات ومواكبة العصر دونما التخلي عن ثوابتنا الوطنية والقومية التي رسّخها في قلوبنا وعقولنا متمثلين في الوقت ذاته حكمته في تحويل الحزن الى طاقة خلاقة، والمصيبة إلى عمل وإنجاز».
وبهذا وحده نقدّم لقائدنا الخالد أفضل ماكان يتمناه ويطالب به ويحث أبناء الوطن من أجله: المحافظة على ماتحقق من الإنجازات، والعمل المخلص لتطويرها،وتلافي الثغرات، والمحاسبة الشديدة للمقصرين والفاسدين ومستغلي المناصب، وإعداد الكوادر المسؤولة والاستفادة القصوى من الكفاءات والفعاليات الوطنية النزيهة بهدف تطوير واقعنا الراهن، والانتقال الى مستوى أعلى من التقدم، وتعزيز القدرات الذاتية ومواكبة روح العصر.
لقد تماهى القائد الخالد بشعبه وقضايا أمته فاستحقّ الخلود أبداً.. وبقي علينا جميعاً مواصلة النهج وتعزيز المسيرة بالولاء للوطن وقائده والتفاني بالعمل، ومحاربة الفساد والبيروقراطية والانتهازيين، والاستعداد للتضحية والاستشهاد من أجل الوطن وتقدمه وعزته وكرامته.
موضوع: كارتر يقدم وصفا دقيقا ومبهرا للرئيس حافظ الأسد الإثنين أبريل 21, 2008 10:35 am
المؤلف: جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الأسبق.
يستكمل كارتر في هذه الحلقة رسم لوحة الشرق الأوسط التي يمكن أن تتهيأ لصنع السلام فيه. وبعد أن قدم بتاريخ وصفات اللاعبين الأساسيين – الفلسطينيين والإسرائيليين – بدأ يتناول تقييما تفصيليا لجيران اللاعبين. وبدأ هنا بسوريا بحديث مفصل عن القائد الخالد حافظ الأسد. ونطالع هنا – ربما للمرة الأولى – وصفا دقيقا وتفصيليا لفكر القائد الخالد حافظ الأسد. ويقدمه كارتر على أنه زعيم زكي ومدافع مخلص عن حقوق العرب والفلسطينيين. ويسرد حججه وأقواله بالتفصيل ، والتي يرى كارتر في كثير منها وجاهة وقوة. ويتكلم أيضا عن قسوته مع خصومه وعن استعداده للذهاب لأقصى مدى في سبيل ما يعتقده. إنها شهادة مهمة لفهم مفاتيح السياسة السورية.
عرض :
باستثناء الاتصالات المصرية القائمة بين إسرائيل والفلسطينيين .. فإن الدول العربية ليس لها أي دور إيجابى بناء في التمهيد للسلام ، لكن علينا أن نتذكر أن نفوذهم التراكمى سيكون حيوياً وضرورياً في المساعدة على إتمام إتفاق مقبول .. وطمأنة الإسرائيليين المتشككين في أن مثل هذا السلام سيكون دائما ويمكن الإعتماد عليه ، لهذا .. فإنه سيكون من المفيد أن نلخص ونزن الأدوار التاريخية للقادة في كل من سوريا والأردن ومصر ولبنان والمملكة العربية السعودية .. بخصوص المساهمات التي قد يقدمونها في المستقبل من أجل الوصول إلى حل محتمل، لقد زرت كل هذه الدول وإجتمعت مع قادتها مرات عديدة على قدر استطاعتي.. ورتبت لعقد إجتماعات إضافية معهم في الولايات المتحدة وغيرها من الدول .
1- سوريا
لقد خرجت إسرائيل من المناطق التي تحكمت فيها كل من مصر ولبنان .. ولكنها لا تزال تحتل مناطق من سوريا تسمى مرتفعات الجولان ، ولعله من المثير أن نلاحظ أننا عند إجراء بحث عن ” مرتفعات الجولان” في محرك البحث جوجل على الإنترنت.. فإن واحدة من أول الردود التي سنحصل عليها .. هو دعوة السائحين لزيارة المستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون هناك ، قمت بزيارة هذه الهضبة المرتفعة – لأول مرة – في عام 1973 .. وعدت إلى هذه المنطقة عدة مرات خلال زيارتى لإسرائيل والأردن وسوريا ، تمكنت إسرائيل من الإستيلاء على هذه المرتفعات من سوريا خلال حرب الأيام الستة في عام 1967 ، وفى عام 1981 شرعت قانوناً تسمح فيه إسرائيل لنفسها – ضمنيا – بمد سلطتها الدائمة على هذه المنطقة ، وقد تسبب هذا في حساسية لا نهاية لها من جانب دمشق وجعل القادة السوريين في مقدمة العرب يرفضون أية تسوية سلمية مع إسرائيل على أية قضية أخرى.
قمت بدعوة القائد السوري لزيارتي في واشنطن ، لكنه رفض .. وبالرغم من هذا الرفض الحاسم المؤدب .. فقد درست كل ما أستطيع تعلمه عنه وعن سوريا … قبل أن أقابله.
إن فشل الدول العربية في تدمير دولة إسرائيل..فتح المجال لموجة من النقد الذاتي بين العرب .. وداخل كل دولة على حدة ، وفى عام 1958 – خلال بحثهم عن طريقة جديدة – قامت وحدة بين سوريا ومصر تحت اسم ما عرف بالجمهورية العربية المتحدة ، وبعدها بثلاث سنوات ونصف السنة أصبح من الواضح أن مصر بقيادة “جمال عبد الناصر” .. هي المسيطرة على الاتحاد الجديد .
كان “القائد الخالد حافظ الأسد” شديد الحماس في حمايته للمنطقة من التدخل الخارجي ، كما أنه كان يعمل على توسيع دور سوريا كقوة مؤثرة في الشرق الأوسط ، لقد كان مستعداً للدخول في مواجهات سياسية وعسكرية خطيرة .. إذا ما تطلب الثبات على مبادئه..

كان أول لقاء بيننا في سويسرا في يونيو من عام 1977 .. ووجدت القائد الخالد حافظ الأسد كما وصفوه لي ، فلقد كان أكثر القادة بلاغة في وصف دقائق المعتقدات العربية بخصوص إسرائيل وإمكانية حدوث السلام، كان مهتما بجهودي في تنظيم مفاوضات للسلام ، لقد كان مصرا على أن محادثات السلام يجب أن تتوافق مع قراري الأمم المتحدة رقم 242 ورقم 338 ، وأنها يجب أن تضم السوفيت ، واعترض بشدة على المناقشات الثنائية بين إسرائيل وأي دولة عربية .. واستبعاد الإتحاد السوفيتي ، لقد كانت سوريا تعتمد بشدة على المساعدات السوفيتية .. ، كنت أمل بالعمل معي للتغلب على بعض العقبات التي واجهناها ، في ذلك الوقت .. كانت خططي الخاصة بمحادثات السلام مبنية على أساس قرارات الأمم المتحدى التي أكد هو أيضا عليها.
من أجل فهم أفضل للمواقف التي مازالت سائدة في العالم العربي – بما فيهم وجهات النظر الأكثر اعتدالا في كل من مصر والأردن ولبنان – فإنه من المفيد أن نلخص الآراء الحماسية القائد الخالد حافظ الأسد ” .. والتي نادراً ما سُمعت في الجزء الغربى من العالم ، حتى أنني قمت أنا و”روزالين” والمترجمون الرسميون..بالاحتفاظ ببعض الملاحظات الدقيقة لما دار بيننا من نقاش.
إن القائد الخالد حافظ الأسد قد أكد لى .. أنه تم السماح لإسرائيل بدخول الأمم المتحدة في عام 1949 من خلال الفقرة الشرطية الواضحة التي تنص على أن اللاجئين الفلسطينيين سوف يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم . أو تعويضهم بالكامل عن كل ما فقدوه من ممتلكات ، وقبيل عام 1967 – طبقا لما قاله – فإن إسرائيل كانت تجبر أعداداً إضافية من سكانها العرب على مغادرة الأجزاء الصغيرة المتبقية من أراضيهم ؟.. في مخالفة صريحة لإتفاقيات الأمم المتحدة التي أقسم الإسرائيليون على احترامها ، كذلك فإنه ادعى أن إسرائيل بدأت حرب عام 1967 لكي تستولي على المزيد من الأراضي العربية.
وأستشهد بكلمة أحد قادة إسرائيل الكبار .. الذي أعلن أنها ليست إلا خطوة وسيطة تجاه الوصول إلى “إسرائيل العظمى” ، وأن كل أفعالهم منذ ذلك الوقت – طبقا لأقوال القائد الخالد حافظ الأسد – أظهرت أطماعهم التوسعية ، لقد كان “الأسد” مقتنعاً بأن الإسرائيليين لا يريدون السلام .. .. وإنهم سيحاولون – دائما- أن يحبطوا المفاوضات ويفشلوها .. بينما يتوسعون جغرافيا ، ثم أكد “الأسد” .. أنه من حيث المبدأ – لا يحق لأى قائد عربي أن يوافق على أى توسعات في حدود إسرائيل القانونية .. مهما كانت شدة رغبته في السلام.
لقد حاولت أن أقنع “الأسد” بأن الإسرائيليين مستعدون للسلام .. إذا كان القادة العرب موافقين على التفاوض معهم مباشرة ونوايا خالصة ، ووصفت له إلتزام إسرائيل الكامل بأمن دولتهم الصغيرة .. وحاجتهم لأن يكونوا مقبولين ككيان دائم في منطقة الشرق الأوسط ، لكن “الأسد” أشار إلى أن الضفة الغربية تشكل 22% فقط من المساحة التي كانت موضوعة تحت الإنتداب الإنجليزى (حوالى ربع ما استولى عليه الإسرائيليون).. وأدانهم بسبب توسعهم في مرتفعات الجولان السورية .. قائلاً : -إنه من غير المقبول أن تصر على تأمين حدودك من خلال الإستيلاء على أراضي الآخرين ، لماذا يجب أن تكون حدودهم الآمنة قريبا من دمشق وبعيداً عن تل أبيب؟”.
ثم أضاف .. وكأنه يفكر بصوت مرتفع : “إننا دائما ما نتحدث عن الدين .. لو أنهم أخذوا القدس منا .. فإننا – كمسلمين – سنكون بلا أرواح ،إن ما لا أستطيع فهمه .. هو أن يُطلب منا التفاوض (بشدة) للعودة إلى حدود 1967 .. وأن نقوم بإستبعاد القدس فقط”.
عند هذا سألته :
- “هل الأمور تصبح أكثر سهولة .. لو أننا إستبعدنا أشياء أخرى؟”.
فضحك “الأسد” هو وكل المستشارين الجالسين حول طاولة المفاوضات وقال :
- “إذا أصر الإسرائيليون على التمسك بالقدس الشرقية فإن هذه يظهر عدم رغبتهم في السلام .. لأننا مرتبطون بها تماما مثلهم”.
عندها أجبته بأن المسيحيين – وأنا من بينهم – متعلقون بهذه المدينة أيضاً .. وأننا نأمل أن يسمح لكل المؤمنين بدخولها وزيارة الأماكن المقدسة وحرية العبادة .. دون قيد أو شرط
وقد سألته عن موقف سوريا من لبنان .. وكيف أنها لا تعترف بها كدولة مستقلة ذات سيادة ، ولماذا يعتبرونها جزءا من سوريا ، أنكر “الأسد” أى نوايا سيئة تجاه جارته الغربية (لبنان) .. مصراً على أنه – وشعب سوريا – يعترفون بإستقلال لبنان دون أى تحفظ ، ووعد بسحب قواته من هناك .. عندما تطلب جامعة الدول العربية والحكومة اللبنانية منه هذا
لقد اشتكى “الأسد” من أن الإسرائيليين يعتبرون أنه من حق كل يهودي في العالم – سواء كان في حاجة إلى هذا أم لا – أن يستوطن الأراضى العربية التي استولوا عليها بالقوة .. بينما يرفضون السماح للمشردين واللاجئين العرب الذين تم إخراجهم عنوة من بلدانهم بالعودة إلى الأراضى التي مازالوا يحملون الأوراق التي تثبت ملكيتهم القانونية لها ، لقد كانت وجهة نظره أن إسرائيل إدعت أن لها الحق في إنشاء دولة خاصة بها في فلسطين عام 1948 .. لأنها كانت تقوم بإعادة إنشاء دولتهم بعد تدميرها في العصور القديمة ، ورفضت الإعتراف بدولة فلسطينية في نفس المنطقة التي عاشت فيها .. أجيال متتابعة من الفلسطينيين – المسيحيين والمسلمين – بصفة مستمرة لآلاف السنين.
ثم أضاف ..أنه لا توجد دولة على سطح الأرض – بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية 0 تعترف بادعاءات إسرائيل الحالية …بأحقيتها في الأراضى التي ضمتها بالقوة من عام 1949.
ثم قال القائد السورى .. إن الإسرائيليين يؤكدون أن يهود العالم ” يمثلون شعباً واحداً .. بصرف النظر عن الإختلافات الواضحة الموجودة بينهم في العرق واللغة والعادات والمواطنة ومع كل هذا . فإنهم ينكرون أن الفلسطينيين يشكلون أمة واحدة … بالرغم من توحدهم في العرق واللغة والحضارة والتاريخ ، إن الكثيرين من العرب يعتبرون هذا التمييز نوعاً ما من التفرقة العنصرية ضد العرب الفلسطينيين على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية .. ولا يستحقون أن تتم معاملتهم كبشر ، فهم يدعون أنهم ليسوا إرهابيين .. إذا قاوموا الإنتهاكات والتعديات الإسرائيلية عليهم ، وسخر من إدعاءات إسرائيل بأنها الديمقراطية الوحيدة الحقيقة في المنطقة ، وقال إن المساواة السياسية والإجتماعية مقصورة على اليهود فقط.
وبخصوص السعى نحو السلام ، أعرب “الأسد” أن الإسرائيليين يلتمسون الأعذار التي تسمح لهم بالمزيد من التوسع وإحتلال أراضى جديدة وبناء معسكرات دائمة تتحول إلى مستوطنات مدنية ، لقد كان من الواضح أنه يتكلم عن مرتفعات الجولان .. وكيف أنهم خلقوا ظروفاً مناسبة تتطلب منهم أن يدافعوا عن المستوطنات الجديدة بالمزيد من التوسع وتقوية قواتهم المسلحة ودفع السكان العرب للنزوح عنها .
ثم ادعى أن القتلى من العرب شىء ضئيل القيمة وغير معنوي في نظر الإسرائيلين وحلفائهم الأمريكان .. والذين ربطوا بين الفلسطينيين والإرهاب في محاولة لتبرير هذا السلوك العنصري. إن تفسير هذه السياسة المشتركة – من وجهة نظر الأسد – هو أن أمريكا وإسرائيل تطمحان في السيطرة على الشرق الأوسط والتحكم فيه على حساب سكانه الأصليين ..الذين يرغبون في الحرية والحق في الحياة بسلام داخل ديارهم ، ثم شرح “الأسد” وجهة نظره بأن الإسرائيليين والأمريكان – عندما يرفضون التفاوض على السلام مع الفلسطينيين مباشرة – فإنهم يحكمون على المفاوضات بالفشل … إلا عندما ينفردون بمجموعة عربية واحدة (دولة واحدة) يستطيعون أن يجبروها – من خلال التهديدات أو الإغراءات الإقتصادية – على أن تتعاون بطريقة منفردة مع إسرائيل وامريكا.
لقد قال “الأسد” إن سوريا قد أثبتت إستعدادا للسعى نحو السلام .. بخطوات لم تحاول إسرائيل – أو أمريكا – ان تتخذها :
• فسوريا احترمت كل قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع العربى الإسرائيلي.
• وأيدت القرار الدولى الذى أجمع على أن الشعب الفلسطينى – كبقية شعوب العالم – له حق تقرير المصير.
• واحترمت القوانين الدولية التي تمنع إحتلال وضم أراضي الآخرين.
• دافعت عن حدودها واحترمت الحدود الدولية المعترف بها للآخرين.
• عرضت سحب القوات السورية من لبنان عندما يطلب منها هذا من قِبل الحكومة اللبنانية.
وبالرغم من أن “الأسد” لم يظهر أية بوادر تدل أنه مستعد للتحول عن أهدافه البعيدة الأمد .. إلا أننى خرجت من هذه المقابلة الأولى وأنا مقتنع بأنه قد يكون مستقلاً ومرناً بالدرجة الكافية التي تمكنه من تعديل تكتيكاته السياسية حتى تتلاءم مع تغيرات الزمن والظروف ، وبالرغم من مرارته الشديدة تجاه إسرائيل .. إلا أنه احتفظ بقدرته على السخرية من مواقفها المتعارضة..مستمداً الصبر من إيمانه بأن التاريخ سوف يعيد نفسه – كما حدث للحملات الصليبية – وأن النصر النهائى سيكون للعرب.
بعد أحد هذه الإجتماعات الطويلة .. وقف “الأسد” – في مكتبة – بجوار لوحة ضخمة مرسومة لوصف “معركة حطين” التي وقعت في عام 1187 ، في تلك الموقعة التاريخية .. تمكن القائد “صلاح الدين” من هزيمة الغزاة المسيحيين .. وسقطت مملكة القدس الصليبية .. لقد تمكن العرب من الإنتصار على الغرب ، بينما كان “الأسد” يتكلم على الأراضي المقدسة .. بدا لي وكأنه “صلاح الدين” الحديث ، وكأنه أصبح من واجبه أن يخلص المنطقة من الوجود الأجنبي .. بينما يحافظ على دمشق كالمحور الذى تدور من حوله وحدة العرب.
الاستاذ محمد مازن الصياد
مارس 16, 2009
الحلقة الاولى عن رجل عبر التاريخ ( القائد الخالد حافظ الأسد)
أدى الرئيس حافظ الأسد أدواراً رئيسية في القضية الفلسطينية على مدى الثلاثين عاماً التي قضاها رئيسا لسوريا، وأسهم في صناعة أحداث هامة من أبرزها حربا 1967 و1973، و حرب لبنان إلى جانب دوره الأساسي في لبنان. واستضافت بلاده العديد من فصائل المقاومة والمعارضة الفلسطينية، وظل متمسكاً حتى وفاته بشروط تفاوضية عالية لإقامة سلام بين سوريا وإسرائيل
الميلاد والنشأة
ولد القائد الخالد في قرية القرداحة بمحافظة اللاذقية عام 1930 لأسرة تعمل في فلاحة الأرض، وهو الابن الأكبر للأسرة،.
الحياة الاجتماعية
تزوج القائد الخالد حافظ الأسد من السيدة أنيسة مخلوف وأنجب منها بشرى التي تعمل طبيبة صيدلانية، والرائد الركن باسل الذي استشهد في حياة والده إثر اصطدام سيارته الخاصة في دمشق في 21/1/1994، والفريق الأول الدكتور بشار -الرئيس الحالي- طبيب أمراض العيون والقائد العام للجيش والقوات المسلحة ، والعقيد الركن المهندس ماهر، ومجد الحاصل على درجة جامعية في الاقتصاد
التعليم
التحق حافظ الأسد القائد الخالد بالأكاديمية العسكرية في حمص عام 1952 وتخرج فيها عام 1955، ثم التحق بعد ذلك بالأكاديمية الجوية التي تخرج فيها عام 1958 طياراً في السلاح الجوي.
التوجهات الفكرية
تأثر القائد الخالد حافظ الأسد بأفكار حزب البعث، ويعتبر نفسه من دعاة القومية العربية، وفي سبيل ذلك بنى مواقفه السياسية تجاه مصر عقب زيارة السادات للقدس عام 1977وتوقيعه معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وكذلك مع منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو عام1993
حياته العسكرية والسياسية :

في حزب البعث
بدأ اهتمام القائد الخالد حافظ الأسد بالأمور العامة مبكراً، فقد كان رئيس فرع الاتحاد الوطني للطلبة في محافظة اللاذقية، ثم رئيساً لاتحاد الطلبة في سوريا، وانضم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1946 عندما شكل رسمياً أول فرع له في اللاذقية، وأصبح عضواً قيادياً في التشكيلات العسكرية للحزب منذ عام 1960.
قائدا للسلاح الجوي
أبعد الأسد عن الجيش مع بدء ما عرف بعهد الانفصال الذي ألغى دولة الوحدة مع مصر، وأعيد مرة أخرى إلى الخدمة عام 1963 بعد ثورة الثامن من اذار الذي قاده مجموعة من ضباط حزب البعث وحركة القوميين العرب والناصريين بقيادة لؤي الأتاسي وزياد الحريري، ورقي آنذاك إلى رتبة لواء وكان يبلغ من العمر 34 عاماً، ثم عُيِّن في العام التالي مباشرة (1965) قائداً للسلاح الجوي

وزيرا للدفاع :
وفي 23 فبراير/ شباط 1966 كان القائد الخالد أحد قادة الانقلاب الذي أطاح بالقيادة القومية المدنية للحزب وحكم الفريق أمين الحافظ، وبعد بضعة أيام من الانقلاب أصبح الأسد وزيراً للدفاع
دوره في حرب 1967
كان القائد الخالد وزيراً للدفاع وقائداً للسلاح الجوي حينما اندلعت تلك الحرب وكان رجل في الميدان ولكن الاضطراب الداخلي الذي حصل ادى الى النكسة
1967، وبعد تلك النكسة القاسية تبودلت الاتهامات ووقعت اعتقالات كثيرة، وساد نوع من عدم الاستقرار السياسي وحينها قام القائد الخالد حافظ الأسد بالحركة التصحيحية عام 1970، ثم أصبح رئيساً للجمهورية العربية السورية عام 1971،. وبعدها أعيد انتخابه في استفتاءات متتابعة أعوام 1978 و1985 و1992 و1999
دوره في حرب 1973
نسق القائد الخالد حافظ الأسد وأنور السادات في الاستعدادات الخاصة بحرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، فكلتا الدولتين لها أراض محتلة منذ نكسة يونيو/ حزيران 1967، ثم وقع الخلاف حينما خرجت مصر عن الخط العروبي بعد أن وقعت مصر الاتفاق الثاني لفصل القوات بين مصر وإسرائيل، وشكلت سوريا مع كل من ليبيا واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية جبهة الصمود والتصدي بعد توقيع الرئيس السادات معاهدة كامب ديفد مع إسرائيل عام 1979

علاقاته مع الاتحاد السوفياتي
وتوطدت العلاقة بين سوريا والاتحاد السوفياتي السابق، فقد وقع القائد الخالد الأسد والرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف في 8/10/1980 معاهدة صداقة وتعاون مدتها 20 عاماً، ووقعت اتفاقية مشابهة مع إيران بعد الثورة الإسلامية التي قادها آية الله الخميني عام 1979
دوره في لبنان
تؤدي سوريا دوراً كبيراً في الحياة السياسية والعامة في لبنان منذ دخول قوات كبيرة من الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، وأدى هذا الحضور القوي إلى تكوين موقف لبناني من المفاوضات والعملية السلمية مشابه لموقف سوريا، وإلى نشاط المقاومة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي والتي أدت إلى انسحاب إسرائيلي من لبنان دون شروط أو اتفاقات

دوره في حرب الخليج الثانية
وشارك الجيش السوري عام 1991 مع قوات التحالف الدولية لتحرير الكويت، وبعد الحرب كونت سوريا ومصر ودول مجلس التعاون الخليجي منظومة دفاعية سميت بدول إعلان دمشق.
علاقته بإسرائيل
انتهج القائد الخالد السوري حافظ الأسد أسلوباً حذراً في تعامله مع ملف مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية، وذلك منذ إبرام الرئيس المصري أنور السادات سلاماً منفرداً مع إسرائيل أواخر السبعينيات، وظل لفترة طويلة يمسك بعدة خيوط يجيد استخدامها في مفاوضاته مع إسرائيل، منها الدعم السوري لحزب الله في الجنوب اللبناني، والدعم السياسي لعدد من فصائل المعارضة الفلسطينية
التفاوض بشروط عالية
ويقول عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز إنه أصر دوماً على مطالب أكثر مما ينبغي.
وأما هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس نيكسون ومستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق والذي دخل في وساطة للسلام بين سوريا وإسرائيل عقب حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 ولم تنقطع صلته بالأسد حتى وقت متأخر من التسعينيات، فإنه في حوار أجراه معه مراسل مجلة نيوزويك مايكل هيرش ونشرته الطبعة العربية من المجلة في عددها بتاريخ 20 يونيو/ حزيران 2000 عقب وفاته، سئل عن مكانة الأسد التاريخية وأثره في سوريا فقال “لم يكن الأسد ملماً بالغرب جيداً، وأعتقد أنني كنت أول شخص من الغرب يتفاوض معه بشكل منتظم، وكان يتمتع بذكاء فوق العادة، وبحس للدعابة، وكان أيضاً قاسياً صلباً وشجاعاً قوي الإرادة والإدارة ويستحق لقب الزعيم العربي التاريخي ، وتتملكه المشاعر القومية”.
للموضوع بقيه تابعونا في الحلقة الثانية عن قائد الأمة العربية القائد الخالد حافظ الأسد
إعداد الاستاذ : محمد مازن الصياد