هندسة المعرفة

م.رياض الصياد

 


للتعليق على هذه المقالة اضغط هنا
 

مع اتساع آفاق العلوم في العصر الحالي وتناسل الاختصاصات ضمن كل منها، تمطرنا دراستها وحتى مجرّد الاطلاع عليها بأعداد كبيرة من المصطلحات والمفاهيم الجديدة، ومع ظهور كل مصطلح جديد أو عند اللقاء الأول مع مفهوم (قد لا يكون جديداً بحدّ ذاته ولكنه كذلك بالنسبة لنا) تحدث لدينا مراجعة داخلية أو ردّة فعل وتقييم (قد تكون سطحية أو عميقة) ثم نتقبّل المصطلح أو المفردة الجديدة باقتناع أو على مضض وفي الحالتين وطالما أن الإنسان يتميّز بأنه كائن يستطيع التلاؤم مع محيطه ومع الظروف فليس ثمّة مشكلة في أن نتقبّل هذا الوافد الجديد بسبب أن المصطلح أو المفهوم قيد النّظر يتناول مسألة أو موضوع من المحيط الذي نعيش فيه،  وقد نكون ممن يسعده الحظ ليرى هذا المفهوم متجسّدا أمامه كمنتج تكنولوجي أو دراسة فكرية مكتملة العناصر أو ربما نتاج عبث بتوازن طبيعي كما هو الحال مع النعجة دولّي.  

 

سبق وأن تم مناقشة تخصّص أو مجال  الهندسة الجينية ونال حظّه من التأييد والرفض على المستوى الديني والأخلاقي وحتى في بعض الأحيان أصبح ورقة بيد بعض الساسة ولكنه في النهاية ثبّت أقدامه (بتأكيد عرّابيه والتزامهم بأنه سيبقى بعيدا عن العبث بجينات الإنسان) وصار تخصّصاً تكتمل جوانبه مع الوقت من أسس بحث ونظريات وآمال مرغوب تحقيقها ومحاذير يُخشى منها؛ ويمكن القول كذلك أن هندسة البيئة أيضاً من المصطلحات المستجدة وهو لم يكن في وقت من الأوقات محلّ جدال وخلاف نظراً للخوف على بيئة الكرة الأرضية؛ ليكون بذلك وليد حاجة الإنسان وقلقه في نفس الوقت ولكنه فرض نفسه كحلّ وقائي يساعد الإنسان على حماية محيطه.

 

لماذا هذه المقدمة؟

 

في الواقع يمكن أن نتحدث عن كثير من المصطلحات والمفاهيم التي فرضت نفسها على مخزوننا اللغوي ومفردات حديثنا وإن كنتُ قد اقتصرت على مثالين من عالم الهندسة فقط فذلك لأن موضوع حديثنا هو مصطلح هندسي؛ إلاّ أن ما أحببت أن أشير إليه ثانية هو أن المفهوم الجديد طالما أنه بعيد عنّا أو هو واقع خارج خصوصياتنا كبشر نستطيع أن نتعايش معه ولهذا السبب عينه فإن مصطلح أو علم  هندسة المعرفة  لا يتمتع بميزة الإنسيابية كغيره من المصطلحات حتى نكتفي بمناقشته وتدارسه كما لو كان اختراعاً جديدا يخصّ تنظيم المعرفة، أو طريقة مبتكرة في فهرسة المعارف، أو ابتكار أدوات للسيطرة على المعارف وتحليل العوامل التي تنظم وتربط هذه المعارف، لا يمكن أن نمرّ عليه مرور الكرام ولا يجوز ذلك لأن هذه المصطلح يعني إضافة لكل ماسبق، التعرّض بالبحث والمعاينة والدراسة لواحدة من الميزات الهامة التي نتمتّع بها نحن كبشر؛ وحتى لا أبدو كمن هو متشبّث برأي شخصي حيال قضية أو كمن يريد أن يستبدّ ويفرض رؤيته وقناعاته على غيره،  دعونا نقوم بجولة قصيرة نعبر خلالها بعض المحطات المهمة لمغامرة العقل البشري ومحاولاته إنتاج آلة أو نظام يستطيع أن يحاكي أو يقلّد أنشطة بشرية عندما يقوم بها الإنسان عادةً فهو يحتاج لاستخدام مخزونه المعرفي وبطريقة انتقائية فعّالة لم يمكن حتى الآن الاهتداء للآليات (أو الخوارزميات) التي تنظمها وبعد هذه الجولة آمُلُ أنني سأكون قد بيّنت الصلة الوثيقة بين تعثّر بعض المشاريع التكنولوجية ( التي بدأت طموحة جدّاً وذات سقف عالٍ من التوقعات) وعدم وضوح بل ضبابية معلوماتنا كبشر عن " كيف نختزن نحن معارفنا وكيف نستردّ ما نريد منها ونحّيد ونستبعد ما لا نريده إلى وقت حاجته؟ " ثم نتحدّث بعدها عن " لماذا يجب أن نتوقّف مليّاً عند مقولة هندسة المعرفة ؟"  ثم عن دورنا ومساهماتنا الممكن تقديمها في هذا المضمار.

 

البداية الآمال والطموحات:

 

في بداية الخمسينات من القرن الماضي وبعد أن بلغ الكومبيوتر سنّ الرّشد في المختبرات تم طرح أول كومبيوتر للمبيع تجارياً وكان يُدعى UNIVAC-1 ويبدو أن هذا الجهاز الذي كان الطفل المدلّل في مختبرات الأبحاث ولدى تواضعه واقترابه أكثر من الإنسان قد حفّز خيال البعض وأذكر هنا بعض ماورد في مقالة صدرت في هذه الفترة لعالم الرياضيات الإنكليزي آلان تورينغ حيث أورد مايلي:

 " نحن نأمل بأن الآلات سوف تنافس الإنسان في جميع ميادين الذّكاء، ولكن أيّة ميادين أو أنشطة هي المفضّلة لنبدأ بها ؟ إنه قرار صعب ويظن البعض أن أيّ نشاط مجرّد ( مثل لعب الشطرنج) سيكون الأفضل، كما يمكن الإثبات أن الأفضل هو تزويد الآلة بحواس ثم تعليمها أن تفهم وتتكلّم الإنكليزية، وهذا يمكن أن يشابه عملية تعليم طفل. لا أعلم أي من هذين الإتجاهين هو الأصحّ ولكنّي أعتقد أنّه يجب محاولة كليهما(1)".

في العام 1956م وخلال مؤتمر عُقد في كليّة دارتموث في الولايات المتحدة لمناقشة الأجهزة ذاتية الحركة (AUTOMATA STUDIES) ظهر إلى الوجود مصطلح الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence ويُنسب إلى عالم الرياضيات جون مكارثي، وتعددت تعاريف وتوصيفات هذا المجال من العلوم ولكنّها كانت تشترك كلّها وإن بنسب متفاوتة في ربط هذا الحقل الجديد بالذكاء البشري وبكونه سيحاكيه وربما ينافسه ويتفوّق عليه وذلك من خلال :

1 - آلات الروبوت (الرجل الآلي كامل الأوصاف) فهو يرى ويسمع ويتكلم وسيكون مستشار شخصي للإنسان وسيقوم بالنيابة عنه بأداء الأعمال المجهدة والمملة والرّتيبة وربما القذرة، بذات الكفاءة التي سيقدم بها المشورة في المسائل المعقدة وسيتم التفاهم معه بلغة طبيعية (بشرية)، وسيمكننا أن نعهد إليه بشراء الحاجيات من السوق وبما أوتي من تقنيات اتصال متطورة عليه معرفة ما سيكون عليه حال الطقس وبالتالي تشغيل التدفئة أو تجهيزات التكييف وحجب المكالمات المزعجة قبل أن يرن جرس الهاتف وسقاية النباتات في الحديقة ومساعدة الصغير بأداء واجباته المدرسية مع إبقاء عينه ساهرة ليلاً ويقظة نهاراً  لحراسة المنزل وتعطيل سيارة الحماة بمجرّد أن تفكّر بزيارة ابنتها وما يستجد من أمور.

2 - أجهزة الكومبيوتر القادرة على ترجمة أي نص من أي لغة إلى أي لغة والتي تستطيع تلخيص كتاب بدقة ومهارة من يستطيع أن يقرأ السطور ومابين السطور، ثم تستطيع تأليف أبيات من الشعر في موضوع حماسي مثلا دون أن تخوض أو تشهد معركة فهي لديها معلومات عن كل معارك الدنيا، التاريخُ كلّه مسطور في وسائط تخزينها والمعادلات الرياضية التي تتحرّك وفقها مشاعر الكائن البشري مخزونة فيها  تستطيع محاكاتها لتصل بها ومعها إلى مرحلة استنزال إلهام الشعر أو شيطانه.

 

ولذلك برزت تساؤلات عديدة لتحقيق الوصول لآلات تتمتع بهذه المهارات ومن أهمها :

1-    كيف يمكن جعل الآلة تتمتع بالقدرة على ممارسة أنشطة مجرّدة (تتطلّب تجريد وتصرف منطقي وفهم للعلاقات الكامنة مابين الأشياء والموجودات)؟

2-    كيف يمكن جعلها " تفهم وتتكلّم " لغة طبيعية ؟

3-    كيف يمكن جعلها تتعلّم وتكتسب وتطور معارفها وخبراتها؟

4-    هل بالإمكان إكسابها شعور بـ الأنا وأن تعي ذاتها ؟

 

للإجابة عن هذه الأسئلة وعن غيرها كان لابدّ من معرفة كيف يستطيع الإنسان أن يقوم بذلك أولاً، ثم يلي ذلك بحث كيف يمكن تزويد الآلة أو الكومبيوتر بهذه المهارات وكان أن فوجئ الإنسان بأنه لا يعرف نفسه كثيراً وبأن مهاراته العادية جدّاً بالنسبة له كتجاذب أطراف الحديث مع غيره أو قراءة نص وفهمه أو كتابة (تأليف) نص وغير ذلك من الأمور العادية هي أشياء  غير مُقعَّدة (ليس لها قواعد) وبالتالي ليس من اليسير تحويلها إلى برمجيات تنفّذها الحواسب، وأكثر من ذلك فإن الفهم عند الإنسان مرتبط باللغة (التي هي وعاء التفكير) ويتأثر بمعرفة الإنسان أو حصيلته المعرفية فضلا عما يسمّى تجاوزاً خوارزميات التفكير لدى الإنسان ونقول تجاوزاً لأننا نشبّه ما لا نعرف (وهي قدرة العقل البشري على التفكير) بما نعرف (الخوارزميات وهي من مفردات علم البرمجيات).

إزاء النقص الكبير في معرفة الإنسان لنفسه وتعثّر حصول اختراقات في مجال تحسين أداء الآلة بدون وجود أبحاث علمية  وأسس واضحة لهذه الأنشطة البشرية السامية يقدّمها المختصّون في علم الإنسان و يمكن أن يبني عليها ويستفيد منها علماء الكومبيوتر فقد تأسس لغرض ذلك الكثير من الجمعيات والمختبرات (في كل من أمريكا، كندا، أوروبا واليابان) تخصص كل منها بجانب وأذكر هنا بعض منها على سبيل المثال:

1-    الجمعية الأمريكية للذكاء الاصطناعي.

2-    جمعية اللغويات المحوسبة.

3-    معهد تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

4-    الجمعية الأوروبية لدراسة نظم الإدراك.

5-    مشروع الترجمة الآلية للدول الأوروبية.

 

كلّما ازددتُ قُرباً أيقنت أني بعيد

 

كانت محاولات الترجمة الآلية المبكرة هي التي صاحت افتح يا سمسم  لتبدأ معها مسيرة الإنسان في اكتشاف نفسه وتلمّس معرفته أكثر فأكثر، حيث كانت النتائج الأولى للترجمة التي يعطيها الكومبيوتر غير مرضية وأحياناُ مُزرية وفي أوقات أخرى مُضحكة ولنلاحظ الأمثلة التالية للترجمة الآلية (على أحد برامج الترجمة المعاصرة التي تجاوزت الكثير من سلبيات البرامج الأولى للترجمة الآلية):

الجملة الأصلية باللغة الإنكليزية

الترجمة البشرية إلى العربية

الترجمة الآلية

Exactly how the engine works is not important, and if you want to know more you could check the data file.

ليس مهما المعرفة الدقيقة  لكيفية عمل المحرك، ولكن إذا كنت ترغب بمعرفة المزيد يمكنك الرجوع إلى ملف البيانات.

بالضبط كَمْ أعمال المحرّكَ لَيستْ مهمةَ، وإذا تُريدُ أَنْ تَعْرفَ أكثر أنت يُمْكِنُ أَنْ تُدقّقَ البياناتَ تَحْفظُ.

All our disks are easy to run.

كلّ أقراصنا سهلة التشغيل

كُلّ أقراصنا سهلة للرَكْض.

I have been programming for twenty years on all sorts of computers.

أمارس البرمجة منذ عشرين عاما على كل أنواع الحواسيب.

أنا أُبرمجُ لبعد مرور عشرون سنةً كُلّ أنواع الحاسباتِ.

with any simple word processor, you can correct your errors before you print the first copy.

باستخدام أي معالج نصوص بسيط، يمكنك أن تصحّح أخطائك قبل أن تطبع نسختك الأولى.

بأيّ معالج نصوص بسيط، أنت يُمْكِنُ أَنْ تُصحّحَ أخطائَكَ أمامك تَطْبعُ النسخةَ الأولى.

if you get hopelessly confused, just BOOT! (turn your computer OFF and back ON, or press CTRL-ALT-DEL simultaneously).

إذا ارتبكت بشكل محبط، فقط أعد إقلاع الجهاز (أطفئ الكومبيوتر وأعد تشغيله، أو إضغط بآن واحد على المفاتيح [تحكم CTRL] + [بديل ALT] + [حذف DEL])

إذا تُصبحُ مرتبك جداً، فقط صندوق! (يَدُورُ حاسوبَكَ مِنْ ويَعُودُ إليه، أَو يَضْغطُ بديلَ سيطرةِ ديل بشكل آني).

 

وعلى ذلك فقد تبيّن للروّاد الأوائل وقتها أن وجود كومبيوتر وقد اختزن فيه عدد هائل من مفردات اللّغة التي يتم الترجمة منها والتي يتم الترجمة إليها  لا يعني توفّر مقوّمات عملية الترجمة الصحيحة فالأمر ليس استبدال مفردات من اللغة الأولى بأخرى من الثانية، لابدّ من إجراء ما يسمى بالتحليل النحوي للنص وتمييز الفعل، الفاعل، الظرف، الحرف، الاسم، المعطوف .. ومن ثم يأتي التحليل الدّلالي للنص مرتكزاً على التحليل النحوي من جهة وعلى المخزون المعرفي من جهة ثانية والذي يجب أن ينتج عنه فهم النصّ وتمثّله تمهيداً لتوليد نصّ يطابقه ما أمكن في المعنى ولكن باللغة الثانية و وفق قواعدها ونحْوِها، وهم بذلك وجدوا أنفسهم مضطرين لإخضاع عملية الترجمة الآلية لمراحل وآليات الترجمة البشرية وهذا اتّجاه مخالف لما اعتادوا السّير عليه لأن اختصاصي الكومبيوتر عندما يرغب بحلّ معضلة يقوم بتحليل طريقة المعالجة البشرية لهذه المشكلة ثم يعيد صياغة طريقة الحل هذه وفق قواعد ومتطلبات الكومبيوتر (ما يعرف بلغات البرمجة) وسرّ نجاحه هنا، هو أنه يعرف دقائق وتفاصيل الموضوع قيد المعالجة ولكن عندما يكون هذا الموضوع هو التفكير والفكر والتفكر والذكاء فالمقام هنا يتطلب أدوات لابدّ مختلفة.

فريق آخر من الروّاد الأوائل ربّما اقتنع بأنه ليس من الحكمة أن يضع نصب عينيه الوصول لآلة منافسة ومشابهة للإنسان بشكل مباشر أو دفعة واحدة وإنما رأى أن يتم تجزئة هذا الهدف، لذلك ولأسباب عملية أخرى اتّجه نحو ما يسمى بالأنظمة الخبيرة، وهي تعني بإيجاز أن نعمد إلى خبير بشري في اختصاص ما ونخضعه لعملية استجواب دقيقة ومراقبة لصيقة أثناء عمله بغرض الحصول منه على كل تفاصيل معرفته في المجال الذي برع فيه (سرّ المهنة) ثم إعادة تنظيم هذه المعرفة وهيكلتها بشكل يمكن معه تزويد كومبيوتر بها والاعتماد عليه في حل مشاكل اعتدنا عند مواجهتها اللجوء للخبير البشري وهنا نكون قد أفدنا من سرعة الكومبيوتر في المعالجة وقدرته على العمل دون كلل أو ملل أو طلب زيادة أجر (كما هو حال الخبير البشري) من جهة، وقمنا بالمحافظة على هذه المعرفة من جهة أخرى وجعلناها متاحة لشريحة أوسع من الأفراد كما سيمكن نقلها إلى الأجيال اللاحقة مع ملاحظة أن جزء من هذه المعرفة (قلّ أو كثُر) مبني على الحدس وليس حقائق أو قواعد علمية.

شهد هذا الخط نجاحات تمثّلت في ظهور أنظمة خبيرة في مجالات متعدّدة نذكر منها:

        في الطب:

o       برنامج مايسين Mycin: واستخدم في تشخيص الأمراض المعدية وتوصيف الدواء اللازم.

o       برنامج Caduceus: لتشخيص العديد من الأمراض الباطنية.

o       برنامج PIP: واختص بتشخيص أمراض الكلى.

        في الرياضيات:

o       برنامج ماكسيما لحل مسائل التفاضل والتكامل وجبر المصفوفات والمعادلات الجبرية.

        في الكيمياء برز برنامج دندرال Dendral

        في الجيولوجيا:

o       برنامج بروسبيكتور Prospector الذي يقدم المساعدة في معرفة نوع المعادن الممكن استخراجها من منطقة ما عند توفر وصف جيولوجي لمنطقة الحفر.

o       برنامج ليثو Litho للمساعدة في اكتشاف البترول في منطقة ما بتوفر معلومات عن الخواص الطبيعية لصخور هذه المنطقة، التوصيل الكهربائي والنشاط الإشعاعي. (2)

يتألف النظام الخبير (في مجال محدد) عادة من (3):

1.     قاعدة المعرفة (Knowledge Base): وتتضمن كل المعلومات المتعلقة بمجال عمل النظام الخبير وهذه تكون على نوعين أولهما المعارف التصريحية وهي المتعلقة بوصف الأشياء والأحداث والمواقف وثانيهما هي المعارف الإجرائية وهي تخص توصيف مجرى الأمور، وتختلف قاعدة المعرفة اختلافاً بيّنا عن قاعدة البيانات المستخدمة في البرمجة التقليدية من حيث بنيتها وطريقة تمثيل المعلومات فيها وكذلك من حيث البرمجيات القادرة على الاستفادة من المعلومات الموجودة فيها.

2.     محرّك الاستدلال (Inference Engine) وهو القسم المعني بتطبيق شروط البحث والاستنتاج (التوصل لمعلومات وحقائق غير موجودة في قاعدة المعرفة بناءاً على حقائق موجودة) بتطبيق قواعد وقوانين خاصة تم تضمينها فيه.

3.     واجهة المستثمر(User Interface): وهو البرنامج الذي يتيح للمستثمر طرح أسئلته والقضايا التي يريد من النظام الخبير إيجاد حلول لها ولكن يجب أن يتم توصيفها بطريقة تمكّن النظام من تحليل المطلوب.

4.     محرك التطوير (Development Engine): وهو القسم الذي يمكّن مهندس المعرفة من تعديل أساليب عمل النظام الخبير عبر الإضافة والحذف والتعديل على قاعدة المعرفة.

مع الإشارة إلى أن كلمة نجاحات التي استخدمتُها في بداية الفقرة لا تعني أن أداء هذه الأنظمة الخبيرة كان دائما مثالياً وفعّالا ويمكن القول أن نجاح النظام الخبير يزداد بقدر ما يكون مجال عمله محدّدا جدّاً أو ضيّقا والأسباب عديدة من أهمها أنه عندما يكون على النظام الخبير أن يتعامل مع أنواع مختلفة من المعرفة يُصبح عسيرا عليه الربط بينها واكتشاف مدى علاقتها بالسؤال أو الاستفسار الذي يقوم بمعالجته وبالتالي يصبح أكثر عرضة للسقوط في مواجهة احتمالات كثيرة لا يمتلك في مواجهتها القدرة على اتّخاذ قرار.

إنّ عجز النظام الخبير على انتقاء المعلومة ذات الصّلة بالرّغم من احتمال وجود كم هائل من المعلومات والمعارف مخزّنة في الحاسب وتوفّر سرعة معالجة عالية للحواسب وهذه الأخيرة تزداد مع الوقت، يُشير إلى أنّ عنق الزجاجة قائم في البرمجيات التي يُفترض أن تحاكي بعض القدرات العقلية والفكرية للإنسان وليس في سرعة المعالجة ولا في سعة التخزين، الحاجة قائمة للتوصل إلى منهج جديد في البرمجة أو لغات برمجة تختلف كل الاختلاف عن تلك المعتمدة لإعداد برامج في المحاسبة، الطباعة، الرسم وغير ذلك من الأنشطة الاعتيادية.

كثيراُ ما شاهدنا أفلام أو مسلسلات يقوم فيها البطل بالتحدّث مع كومبيوتر موجود في السيارة التي يقودها وهذه الميزة (المأمول تحققها) طالما أثارت إعجابنا وحيرتنا في ذات الوقت ليس فقط لجهة سعة معرفة هذه الآلات وقدرتها على التصدى لحلّ أي معضلة تواجه البطل وإنما أيضا لكونها تتصف بالقدرة حتى على المُزاح وتجاذب أطراف الحديث كما لو كانت شخصاً طبيعياً.

اليوم وبعد سنين طويلة من حلم كان يراود البعض بأنه سيصبح حقيقة عما قريب مازلنا على مسافة بعيدة من تحقيقه، ولتوضيح ذلك سأفترض أن الصديقين حسن و سامر على سبيل المثال التقيا في مكان ما، ودار بينهما الحديث التالي (بعد السلام والاطمئنان عن الصحة) :

v    حسن: هل سمعت بحادث السيارة التي اصطدمت بالجرّار الزراعي يوم أمس؟

v    سامر: نعم، سمعت أن السبب كان هو انفجار دولاب السيارة.

بعد أن سمع سامركلمة حادث سيتبادر إلى ذهنه (وكذلك نحن) معلومات وحقائق كثيرة عن الحوادث عموما، ما يخص السيارات والطائرات والسفن والقطارات وحتى الدراجات بأنواعها، وكذلك سيتذكّر حوادث معينة شاهدها عيانا أو قرأ عنها في الصحف أو شاهدها على شاشة تلفزيون أو كومبيوتر أو سمع عنها، كما سيستحضر في ذهنه أسباب الحوادث ما يعود منها لخلل في الآلية أو تقصير من السائق أو العائد للظروف الجوية وحالة الطرق أو البحر أو الطقس والكثير الكثير من التفاصيل، وبالمختصر سيكون سامر لحظتها جاهزاً لمتابعة الكلام عن الحوادث بغض النظر عن الاتجاه الذي سينحو إليه مجرى الحديث مع صديقه، ولنتذكّر أن هذا الكم الهائل من المعرفة تم استحضاره لحظياً ولمجرّد سماع كلمة حادث.

ما هي المعلومات والمعارف التي ستتبادر إلى ذهن حسن لدى سماعه كلمة السيارة ؟

        - تاريخ تطور السيارات والبلدان التي ظهرت فيها وأول مرة ركب فيها حسن سيارة وكم كان عمره وقتها ومع من كان وإلى أين ذهب و.. .

        - أنواع وماركات وأشكال السيارات قديمها وجديدها ومزاياها ومساوئها.

        - سباقات السيارات.

        - مشاكل السيارات من الأعطال التي تصيبها إلى صعوبة إيجاد مكان فارغ لركن السيارة ومخالفات السيارات والرسوم المختلفة وتصانيف السيارات من زراعي إلى خاص وحكومي وسياحي وإجراءات شراء سيارة أو دفع رسومها.

        - حوادث السيارات.

        - أقسام السيارة والقطع المكونة لها والمواد المصنّعة منها (معادن، لدائن، زجاج، ..) وكل واحدة من هذا المواد ستستحضر إلى الذهن طوف هائل من المعلومات.

        - إذا توقفنا عند إحدى قطع السيارة ولتكن مقود السيارة أو دولابها وتجاهلنا البحث في وظيفة وأهمية هذه القطعة وسنغضّ الطرف عن المادة المصنوعة منها وعن كيفية تركيبها وصيانتها وعن كل ما يخص هذه القطعة، سنتوقّف فقط عند شكلها وهو الدائرة فما الّذي سيخطر ببالنا عن الدوائر والأشكال الهندسية والرسم والبناء بل كم هو عدد الأشياء التي سنتذكرها ونستحضر تفاصيلها من التي لها شكل الدائرة أو قوس الدائرة،  من خاتم الخطبة حتى حلقات بعض كواكب المجموعة الشمسية.

لن أتابع في الاستنباط من هذا الحوار البسيط مابين حسن وسامر حتى أنني لم أوفِّ كلاً من كلمتي  حادث و سيارة حقّهما من التحليل، لكن ونحن نعاين مقدرتنا المدهشة ليس فقط على تذكر أشياء كثيرة بسرعة فائقة وإنما أيضا مقدرتنا على ربط ما نتذكره او تذكّر ماهو مرتبط بالموضوع الذي نواجهه، لنتذكر معاً ونتدبّر قول الخالق العظيم "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنّه الحق".[فصّلت/53]

لنتخيّل معاً أن حسن قال جملته السابقة لكومبيوتر أو لرجل آلي أمامه ، ولنفترض أن لدى الكومبيوتر كم هائل من المعلومات عن الحوادث، وعن السيارات وأنواعها ومشاكلها، أضعاف مضاعفة عما يمكن لفرد أن يعرفه خلال حياته كلّها، ولكن من أين له هذه القدرة الخلاّقة  التي نتمتّع بها من حيث استحضار اللازم والكافي من المعرفة المتصلة بالفكرة  أو بالمفردة التي نسمعها لحظياً وتؤهّلنا لفهم ومتابعة الحديث ولدى سماع المفردة التالية من حديث من نتحاور معه تتحفّز عندنا الذاكرة ويأتينا دفق جديد من المعرفة ومع تلوّن الحديث وانتقاله من السيارة إلى الطعام إلى الدراسة والسياسة نكون دائما وأبداً على أهبة الاستعداد للإدلاء بالرأي وأخذ زمام الحديث، وأكثر من ذلك لدى سماعنا معلومة جديدة أو خبر لانعرفه فهو يأخذ مكانه في ذاكرتنا، ومن المؤكد أنه لايجلس على أول مقعد فارغ في الذاكرة ولكنه يخضع لطريقة تصنيف راقية (اختصّت بها القدرة الإلهية) بحيث أن المعلومة الجديدة تأخذ مكاناً محدّداً بحيث يتم استدعاؤها لاحقا وبسهولة وفقط عند الحاجة إليها بغض النظر عن الكم الهائل واللامحدود من المفردات والخبرات والأخبار التي تنتظم داخل ذواكرنا.

إذا أُعطي لثلاثة مترجمين مهرة نصّاً باللغة الإنكليزية (يشرح طريقة استخدام فرن المايكرويف) لترجمته إلى اللغة العربية:

v    هل سنحصل على ثلاثة نصوص مُترجمة إلى اللغة العربية بنفس المفردات؟ 

o       الجواب: لا، قد تتشابه بعض المفردات كون النص يتحدث عن مسألة محددة أو لأنه متعلّق بجهاز ومواصفات، ولو كان النص فقرة من قصة أو رواية أو أبيات من الشعر لوجدنا الاختلاف كبير في مفردات كل من المترجمين ويعود ذلك لاختلاف الذخيرة اللغوية لكل منهم.

v    هل سنحصل على ثلاثة نصوص عربية على درجة واحدة من البلاغة وسبك الجمل من وجهة نظر اللغة العربية؟

o       الجواب: لا، الأقدر والمتمكّن من العربية سيكون الأوفر حظّا بتقديم ترجمة واضحة وبليغة باللغة العربية.

v    هل سنحصل على نصوص تشرح بالعربي بشكل واضح لا لبس فيه طريقة عمل الفرن؟ أم أنّ البعض سيُوفّق أكثر من غيره؟

o       الجواب: من كانت لديه خبرة بالتعامل وتشغيل الفرن ستكون فرصته أكبر في إيصال الفكرة وترجمتها بافتراض أن الجميع على سويّة واحدة من المعرفة باللغة الإنكليزية والعربية.

إذاً،  ثلاثة مترجمين وثلاثة أنواع من المعارف وبالتالي سيكون احتمال الحصول على ثلاثة نصوص مترجمة متشابهة هو ذات احتمال أن يكون للمترجمين الثلاثة نفس الكفاءة والمعرفة في اللغة العربية والإنكليزية وفي موضوع النصّ قيد الترجمة.

 

هل ابتعدنا كثيراً عن العنوان الذي بدأنا الحديث عنه وهو هندسة المعرفة ؟ أبداً.

1.     الترجمة من لغة إلى أخرى تتطلب فهم النص وهو بدوره يتطلب معرفة.

2.     القدرة على قراءة نص واستيعابه (المقروء) وفهم ما هو مصرّح عنه  في النّص وما هو المغزى الحقيقي منه تتطلب (من جملة ما تتطلبه) معرفة.

3.     فهم الحديث المسموع والقدرة على مجاراته تتطلب معرفة.

4.     إنشاء نص مكتوب أو ارتجال خطاب (توليد نص) يتطلب معرفة ومهارات أخرى (هي بحد ذاتها أشكال من المعرفة).

 

لا نعاني نحن البشر من مسألة الفهم عندما نقرأ أو نسمع ، قد نقراً أو نسمع نصّاً يصعب علينا فهم بعضه بسبب نقص المعرفة حول أمر ما وعندها نستدرك النقص إما بسؤال الآخرين أو بالقراءة المتخصصة حول الموضوع ونكتسب خبرة ومعرفة جديدة ، وبالنسبة لمن يريد أن يؤلّف نصّاً مكتوبا كالقصة أو الشّعر أو المقالة فإن أول وأهم نصيحة تُوجّه له قبل أن يكتب هي أنّ عليه أن يُكثر من القراءة ويتمعّن فيها، وبمعنى آخر عليه أن يكتسب معرفة بأساليب الكتابة وفنون التعبير عن الأحاسيس والحالات الإنسانية والصور من جهة وأن يرفع من حصيلته ومعرفته اللغوية من جهة أخرى.

الجانب المهم الذي لانعاني منه نحن هو تنظيم المعرفة التي نكتسبها بغضّ النظر عن نوع هذه المعرفة، لأن هذا الجانب هو ملكة إلهية مودعة فينا، فنحن نقرأ ونزداد معرفة، نسمع ونزداد معرفة، نشاهد ونزداد معرفة، نفكّر ونمعن التفكير فنستنبط معارف وحقائق جديدة من أخرى نعرفها، لاحدّ لاستيعاب الذهن أو الذاكرة وأكثر من ذلك لايوجد مقياس لسعة الذاكرة اليشرية (كما هو الحال في الكومبيوتر)، عند سماع معلومة جديدة أو رؤية صورة أو شخص أو شمّ رائحة جديدة ليس علينا أن نحدد لها مكان تخزينها في ذاكرتنا ولو كان ذلك واجباً علينا تجاه كل جديد نسمعه أو نقرأه أو نشاهده أو نشمّه أو نلمسه لأصبحت حياتنا صعبة (لا أريد أن أقول مستحيلة) لأن التخزين يعني التنظيم، وكيف سنتمكن من إدارة عملية التخزين لكم هائل ومتنوع من المعلومات.

 

في أحسن تقويم

لنتخيّل (لاسمح الله) أنه علينا نحن واجب البحث عن المعلومة اللازمة والمناسبة لنتمكّن من التواصل مع محيطنا ومواصلة حياتنا بشكل طبيعي وأسوق هنا مثالا افتراضياً هو رؤية شخص والتعرّف عليه ولنفترض أن صديقنا حسن عندما كان يسير على الرصيف شاهد شخصا فكيف سيعرف أنه يعرفه أم لا؟ ، سيبحث في ذاكرته في القسم المخصص للصّور ربما يبدأ البحث في الصور العائلية ليطابق بين صورة هذا الشخص وكل الصور العائلية للذكور، ثم قد ينتقل بعدها لصور الأصدقاء المقربين ثم الأصدقاء الأقل حميمية ثم لصور زملاء الدراسة (بافتراض أنه قد خزن صورهم في أعمار مختلفة تعكس تغير ملامحهم مع الزمن وهذه مشكلة أخرى) وكانت النتيجة أن حسن لم يعثر على صورة مشابهة لصورة هذا المار بجواره وافترض عندها أنه لايعرفه وتجاوزه ليفاجأ أن هذا الشخص قد أمسك بذراعه وهو يقول له: "كيف حالك ياحسن؟ ألا تذكر يوم كنا معا في الخدمة العسكرية؟" وعندها يتبين لحسن أنه لم يبحث في صور من أدّى معهم الخدمة الإلزامية، أو أنه بحث؛ ولكن الصورة المخزّنة لديه لشخص حليق الشارب وهذا الذي أمامه له شارب مفتول وكان عليه واجب إضافي عند البحث في الصور وهو معالجة الصور ودراسة احتمال أن يكون حليق الشارب ذاك هو مفتول الشارب هذا.

نحمد الله أن الأمور ليست كذلك بالنسبة لنا، ولكنها كذلك بالنسبة للكومبيوتر، نريد إكسابه مهارات وقدرات عقلية مشابهة لما حبانا الله إياها مع عدم معرفتنا بدقائق وتفاصيل ما نمتلك، نجهل تماماً كيف يتم تنظيم (هندسة) المعرفة لدينا إلى درجة أنه يمكننا بلمح البصر تمييز الشخص المار بجوارنا، وإذا كنا نعرفه فسيكون (ملفّه) جاهزاً على الفور، وإذا ما اشتمّ أحدنا رائحة فهو يستطيع أن يميّز إن كانت جديدة أم لا وما إذا كانت تشبه رائحة يعرفها (الروائح هي أحد أشكال المعرفة).

أما الكومبيوتر ووفق ما هو متوافر من أدوات برمجة (تطوّرت ولكن بقيت قاصرة) عاجز عن مجاراتنا في هذه الملكات والقدرات وإذا كنّا أكثر تحديداً نقول أننا نحن العاجزون عن تطويره فهو أي الكومبيوتر ليس أكثر مما نودعه نحن فيه.

 ظهرت لغات برمجة سمّيت بلغات الذكاء الاصطناعي(4) لأنها بخلاف لغات البرمجة التقليدية (التي تتعامل فقط مع الأرقام) تستطيع التعامل مع الرموز وهذا جيد لأنه يوحي بإمكان تخزين المعارف بطرق يسهل معها إنشاء روابط وعلاقات قد تُنتج محاكاة ناجحة للحالة البشرية في تخزين المعارف وأقصد هنا بالمحاكاة التشابه من حيث النتائج  أما التشابه من حيث هو تشابه تكويني فأعيد التأكيد على قصور الإنسان عن معرفة كيف يقوم بإدارة معارفه.

 

بإمكان الكومبيوتر تخزين كميات هائلة من المعارف ولكن بدون القدرة على الربط فيما بينها

 

إذاً تتيح لنا لغات البرمجة المختصة بالذكاء الاصطناعي تخزين الرموز أو المعلومات كما هي  (أو توفّر لنا واجهات عمل للتعامل معها بواسطة الرموز وليس فقط الأرقام) ولكن كيف يمكن الربط بين المعارف بحيث أذا ذكرت إحداها يتم استدعاء واستحضار كل ما يرتبط معها وحسب الأهمية؟، كيف يمكن نسج هذه المعرفة وحفظها في وسائط تخزين الكومبيوتر وبحيث أنّ هذا الأخير إذا سمع أو مرّ على كلمة عصفور في نص سيتداعى إلى ذاكرته أو سيتم تحفيز قصاصات متناثرة من المعلومات وربطها مع بعضها لأنها ذات صلة مثل (طائر، ليس من الجوارح، يسكن في عشّ من القش، وأنه على قائمة طعام العديد من الأصناف الأخرى ومن بينها الإنسان، وأنه قد يتعرّض للقتل (الصّيد) على يد هذا الأخير بدون أن يكون جائعا، وأنه يهاجر حسب الوقت من السنة وأنه هو المقصود بقول الشاعر يوسف الخطيب:

أتراك مثلي يارفيق تمرّ في الزمن        عبر المهالك والّليالي السود والمحن

لاصاحبٌ يرخي عليك غلالة الكفنِ        تذرو بقية عمرك الصادي بلا ثمن

        لكأنّ في عينيك بعض اللّمح من وطني

إلى آخر ما قد يتبادر إلى ذهن الكائن البشري لدى سماعه كلمة عصفور).

 

إذاً، هنا عنق الزجاجة، تنظيم المعرفة أو هندستها. إنّ إحدى مقومات الفهم الهامة(5) هي المعرفة المنظّمة، بل المعرفة التي هي على درجة عالية من التنظيم ما يسمح بتدفق المعلومات اللحظي وبشكل صحيح أي فقط تلك المعلومات التي لها صلة بالشيء أو الفكرة قيد التداول، الأمر الذي يسمح للمتحدث أن يتابع حديثه بشكل سَلِس ويسمح للمستمع أن يفهم الحديث ويتطور فهمه له مع تقدّم وتطور الحديث.

يقودنا موضوع تنظيم المعرفة إلى فرع من العلوم ذات الصّلة يسمّى تمثيل المعرفة أي ربط وإرساء العلاقات مابين مفردات المعرفة وهذا العلم هو وليد الحاجة الملحّة لأرض صلبة تقف عليها مشاريع الذكاء الصّنعي أو مشاريع إكساب الآلة بعضا من القدرات العقلية للإنسان وإن كانت بالحدود الدنيا. 

 

تمثيل المعرفة:

حتى يمكن للآلة (كومبيوتر أو رجل آلي) أن تتصف بما يسمى الذكاء الصنعي لابد لها من معرفة، وهذه المعرفة لابدّ أن تكون محبوكة بحيث أنها تشكّل عالم خاص لهذه الآلة، أي يجب أن نوجد لها عالم داخلي تتوفّر فيه:

1.     حقائق (ماهو صحيح وماهو خاطئ). مثل:[كل إنسان فان]

2.     كائنات وموجودات لها خصائص وصفات ويتم توضيح العلاقات القائمة فيما بينها. مثل:[حسن إنسان]، [ماهر إبن حسن]، [السيارة هي آلة للنقل]،..

3.     أدوات وقواعد للاستنتاج والاستدلال. مثل:[إذا كان س يتصف بالميزة م] و [إذا كان ع من نوع س] هذا يعني [ع يتّصف بالميزة م]. حسن إنسان هذا يعني حسن فان.

لا نطمح لتوفير تمثيل داخلي لكل معارف الإنسان، ولكن ما يجري العمل عليه قياساً لما أشرنا إليه في موضوع الأنظمة الخبيرة، هو تمثيل المعرفة في مجال محدد يخدم هدف واضح، ولنفترض أننا نعدّ رجل آلي في معمل لإنتاج السيارات وستكون المهمة الموكلة إليه بعد أن يتم وصله بأجهزة قياس موصولة بدورها لكل تجهيزات السيارة، أن يقوم بتقرير صلاحية السيارة لتحويلها إلى جناح المبيعات أو إعادتها للمصنع لوجود خلل ما فيها. فما هو الشكل التقريبي للعالم الخاص بهذا الرجل الآلي؟

1.     الحقائق:

                                  أ‌-          السيارة الجاهزة تذهب إلى قسم المبيعات.

                               ب‌-       السيارة غير الجاهزة تعود إلى المصنع.

                               ت‌-       السيارة الجاهزة هي التي تكون كل أنظمتها جاهزة.

                               ث‌-       النظام الجاهز هو الذي تكون كل أقسامه جاهزة.

                                ج‌-        ...

                                ح‌-        ...

2.     الكائنات: (أقسام السيارة)

                                  أ‌-          نظام الحركة

1-                      المحرك.

2-                      علبة السرعة.

3-                      محور نقل الحركة.

4-                      ..

                               ب‌-       نظام الفرملة.

                               ت‌-       نظام الإنارة.

1-                      المصابيح الأمامية.

2-                      المصابيح الخلفية.

3-                      الإنارة الداخلية.

4-                      بطاريات التغذية.

5-                      مولّد التيار.

                               ث‌-       نظام الأمان.

                                ج‌-        ...

                                ح‌-        ...

3.     قواعد الاستنتاج:

o       (إذا كانت المصابيح الأمامية جاهزة) و (المصابيح الخلفية جاهزة) و (الإنارة الداخلية جاهزة) و (بطاريات التغذية جاهزة) و(مولّد التيار جاهز) هذا يعني (نظام الإنارة جاهز)

o       (إذا كانت المصابيح الأمامية غير جاهزة) أو (المصابيح الخلفية غير جاهزة) أو (الإنارة الداخلية غير جاهزة) أو (بطاريات التغذية غير جاهزة) و(مولّد التيار غير جاهز) هذا يعني (نظام الإنارة غير جاهز).

o       ...

o       ...

o       إذا كان (نظام الحركة جاهز) و (نظام الفرملة جاهز) و (نظام الإنارة جاهز) و (نظام الأمان جاهز) هذا يعني (السيارة جاهزة).

o       إذا كان (نظام الحركة غير جاهز) أو (نظام الفرملة غير جاهز) أو (نظام الإنارة غير جاهز) أو (نظام الأمان غير جاهز) هذا يعني (السيارة غير جاهزة).

بالطّبع قمنا بتبسيط المثال لأن كل من الأجهزة الموجودة في السيارة له مكوّنات كثيرة وقد يتضمن منظومات فرعية تُؤخذ بالاعتبار إضافة لإمكانية أن نضمّن قواعد الاستنتاج ما يكفي لتحديد مكان الأعطال، ففي حالة توصّل الرجل الآلي إلى أن جهاز الإنارة غير جاهز بسبب أن المصابيح الأمامية فقط هي التي لا تعمل فبوسعه باختبار توصيلاتها واختبار المصابيح نفسها وأية موصلات وسيطة (فيوزات) ليقرر أن السبب هو أن المصابيح لا تعمل أو أن السبب هو وجود خطأ في التوصيلات، إلى آخر ما هنالك من احتمالات.

وإذا كان هذا الرجل الآلي مزوّدا بقدرة الإبصار (آلة تصوير وإمكانية معالجة الصّور) فسيقوم بمعاينة السيارة من جوانبها كافّة ومقارنة الصور الملتقطة لها مع ما سبق تخزينه فيه ليقرر أنها مطابقة لمعايير الشركة أم لا، وقد يتوفر هذا الرجل على تجهيزات لتحليل مكونات الدخان المنبعث من عادم السيارة ليقرر مدى جودة احتراق الوقود وبالتالي الأداء الجيد لمنظومة التغذية بالوقود والاحتراق.

من خلال العرض المبسّط السابق نكون قد استعرضنا أحد أساليب تمثيل المعرفة وهو ما يسمى المنطق الحسابي (Calculus Logic) أو (Prepositional Logic) وهو يعتمد على المعاملات المنطقية:

المعامل المنطقي

AND

OR

NOT

Equivalent

Implies

المقابل العربي

و

أو

ليس

مساوي

يقتضي

تستخدم هذه المعاملات في تقييم صحّة الجمل وبالتالي الوصول لقرار بصحّة الأمر من عدمه، وهذا الأسلوب في تمثيل المعرفة وإجراء عمليات الاستنتاج عليها يصلح لتطبيقات محدودة ولايمتلك من المرونة مايكفي لتمثيل أشكال أكثر تعقيدا من المعرفة والعلاقات.

وفيما يلي نمرّ سريعا على أساليب أخرى معتمدة في تمثيل المعرفة:

1.     المنطق المحمول Predicate Logic: ويسمح بالتعبير عن حقائق أو أشياء غير صحيحة بشكل أكثر تركيباً من المنطق الحسابي وذلك من خلال معاملات إضافية (كل ALL ، بعض Some ، لا No) التي باستخدامها مع معاملات المنطق الحسابي يمكن التعبير عن الأشياء وعن خصائصها ويمكن تجزئة الجمل المنطقية كما يمكن استخدام متغيرات وتوابع حسابية Functions ضمن الجمل المنطقية وهذا يشكّل أهم أدوات لغة البرمجة برولوغ Prolog.

2.     المخطوطة أو (إطار العمل) Script: يستخدم لتمثيل المعرفة عبر وصف تسلسل أحداث خاص بموقف ما، وتتضمن المخطوطة عادة:

                                                          أ‌-          الأشياء المستخدمة في الأحداث.

                                                       ب‌-       الأشخاص الموجودين وأدوارهم في الأحداث.

                                                       ت‌-       الاختلافات والتغيرات (بالنسبة لما يُفترض أنه عادي) التي تحدث ضمن المخطوطة.

                                                       ث‌-       المَشاهِد وهي الوصف الفعلي للأحداث

وبتوفر مثل التفاصيل يمكن للنظام الإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بمجريات الأمور وليس فقط المصرّح عنها وإنما أشياء يمكن استنتاجها من سياق وصف الأحداث.

3.     مربع نص: شبكات الدلالة:

 

وتتكون من عقد وروابط حيث تمثل العقدة إما شيء أو صفة بينما الرابط هو علاقة مابين العقدتين، مثلا العلاقة (هو أو هي) تعني انتماء فرد لمجموعة فيما  العلاقة (فرع من) تعني انتماء مجموعة لمجموعة أكبر. واستنادا للمعرفة المتضمنة في شبكة الدلالة هذه، يمكن لبرنامج كومبيوتر أن يفسّر سبب ذهاب سالم إلى المدرسة (لأن ابنه يدرس فيها) أو سبب ذهاب سلمى لشراء الطعام من السوق، كما يمكن للبرنامج تقديم معلومات عن هاشم منها أن والده مدير قسم في شركة الألبسة التابعة للمؤسسة الاستهلاكية أو لماذا يعامل هاشم في مدرسته معاملة خاصة من قبل المدرسين؟

نكتفي بهذا القدر من أساليب تمثيل المعرفة (يوجد المزيد منها) والتي هي كما أشرنا غير قادرة على تمثيل المعرفة بشكل واسع وإنما تقتصر فعالية كل منها على مساحة بسيطة أو جزئية معينة من المعرفة تخص موضوعا ما أو قضية ويمكن لبعض البرامج أن تجمع أكثر من أسلوب لتمثيل المعرفة في ثناياها لزيادة فعاليتها.

من خلال ماسبق نتبيّن مدى تشابك هندسة المعرفة مع تمثيل المعرفة إضافة إلى أن هذا المبحث من الأهمية بمكان حيث أن التوصل لطريقة فعّالة في تمثيل المعارف وربط جزئياتها بطريقة تمكّن من الوصول إلى المطلوب بدون عناء البحث المضني يقدّم دفعاً هاماً لبرمجيات الذكاء الصنعي ومحاكاة مهارات العقل، ولا يتطلّب البحث في هذا الأمر بنية تحتية ولا تجهيزات الكترونية بالغة التطوّر، إنما هو عمل وبحث فكري يمكن لنا أن نساهم فيه بدراسة ما تم التوصّل إليه حتى اليوم ونجمع معه ما هو متناثر في المكتبة العربية والإسلامية والمتعلق بالإنسان والعقل والفكر والنفس وبرغم أنه تم عرض هذه المواضيع بوصفها من مباحث الفلسفة الإسلامية إلا أنها تموج بأفكار وإضاءات تساعد على تقديم رؤية  وتصوّر أكثر خصوبة لمسألة المعرفة وهندستها وآليات اكتسابها وتنظيمها وخوارزميات استردادها، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر نظريات كل من ابن سينا وابن رشد في المعرفة ولعلّ هناك مصادر أخرى في تراثنا لم تلقَ ما تستحق من الدراسة والاهتمام كما أننا لا نغفل الكتابات المعاصرة وأخص منها بالذكر الدراسات حول مبحث اللسانيات وأهميته الخاصة بالنسبة لتحليل اللغات البشرية وانعكاس ذلك على أسس برمجيات الترجمة مابين اللغات وتمكين الكومبيوتر من التعامل مع الإنسان باللغة الطبيعية.

أخيراً، لنلخّص ما سردناه على الشكل التالي: تقوم أجهزة الكومبيوتر بوظيفة معالجة البيانات من أنواع متعددة (رقمية، رسوم، صوتيات، فيديو، ..) وتؤدي عملها هذا بسرعة فائقة وبدقة بالغة دون كلل أو ملل ولكنها لاتدرك ما تفعل، أي تنعدم لديها أدنى مستويات التفكير أو الوعي بما حولها أو إدراك وجودها، وهي رغم ما ننعتها به من مواصفات عالية (سرعة معالجة، سعة ذواكر، سعة وسائط التخزين، ..) لاتقوم بأي عمل سوى ماهو وارد في البرمجيات المضمّنة فيها، وعلى ذلك فإن مسيرة تطوير القدرات المادية لهذه الأجهزة مهما بلغت من مواصفات عالية لن تؤدي إلى أن تصبح هذه الأجهزة ذكية أو أقلّه تتصرف بذكاء، وإنما يتحقق ذلك بتطوير البرمجيات التي هي بمثابة الرّوح لهذه الأجهزة (مع فارق التشبيه طبعاً)، وتطوير هذه البرمجيات يتطلّب فتوحاً جديدة واختراقات على مستوى تمثيل وربط المعارف من جهة وابتكار خوارزميات ومناهج بحث واستقصاء فعّالة تعمل على هذه المعارف وتتمكّن من تنفيذ أو محاكاة تلك الأنشطة الذهنية التي تميّز الإنسان من استنتاج، استدلال، استنباط، اكتساب معارف جديدة، القدرة على التعلّم من خلال التجربة وعدم تكرار الخطأ، المقدرة على التخطيط المترافق بالحدس لتوخّي أفضل الشروط إضافة للتعامل باللغة الطبيعية (المكتوبة و المسموعة) مع الصانع وهو الإنسان، ولابد من التأكيد أن هذه المهمة لاتقع على عاتق المبرمج أو اختصاصي الكومبيوترفقط وإنما تحتاج لتضافر جهود علماء من تخصصات متعددة منها الفلسفة، الرياضيات، الأحياء، النفس، اللغة، الاتصالات والأعصاب، ويليق به أن يسمى مشروع دولة وليس أفراد، ولهذا السبب نجد أن لدى الولايات المتحدة الأمريكية مشروعها الخاص بالذكاء الاصطناعي وكذلك اليابان إضافة للمشروع الأوروبي وكما سبق أن ذكرنا يوجد أعداد كبيرة من الجمعيات والتجمعات المعنية بالجوانب المختلفة لهذا العلم.

 

وعودٌ على بدء، من العلوم التي تستحق الاهتمام وذات الصلة الوثيقة بما عرضناه آنفاً نجد علم  هندسة اللغة والذي أرجو أن يسبقني من لديه سعة اطّلاع واهتمام بعرضه وتقديمه لنكسب وافدين جدد إلى هذه العلوم التي تحظى باهتمام كبير ومتزايد لأن نتائجها ستكون محل اهتمام مطوري أنظمة الكومبيوتر وأجهزة الروبوت نظراً لأنها ستحسّن كثيراً أداء هذه الأجهزة وتجعل علاقتها مع مالكها أكثر حميمية،  وإلى لقاء آخر.

 

بقلم المهندس رياض الصياد
 

المراجع والتوضيحات:

1

كتاب: الكومبيوتر المفكّر (العقل داخل المادة)، برترام رفايل،

 The Thinking Computer (Mind Inside Matter), Bertram Raphael.

2

كتاب: الذكاء الاصطناعي (واقعه ومستقبله) ، سلسلة عالم المعرفة، العدد 172

3

قاموس مصطلحات الذكاء الصناعي/جلال عبد الوهاب محمد

4

من لغات البرمجة التي تصنّف بلغات الذكاء الصناعي نجد برولوغ  Prolog ، ليسب Lisp، IPL، ريتا Rita، روزي Rosie

5

من المقوّمات الأخرى للقدرة على الفهم أو المعروف منها القدرة على المحاكمة العقلية، الاستنتاج والاستدلال، القدرة على التعميم والتجريد.

 

للتعليق على هذه المقالة اضغط هنا
 

قسم يوميات | قسم شببلك | القسم الطبي| منبر الكسوة | لقاء مع عضو مجلس | قسم الشعر | نادي الكسوة الرياضي | الشكاوى والمقترحات |
| رجل عبر التاريخ | إسلاميات | الأسرة والمجتمع | نجوم في سماء الكسوة | منتديات الكسوة | متفرقات | دردشة الكسوة الصوتية |
| دردشة الكسوة الكتابية | بريد الكسوة الإلكتروني | مركز رفع الصور | دليل الكسوة نت للمواقع | اتصل بنا |

2009         جميع الحقوق محفوظة لـ : الموقع الرسمي لمدينة الكسوة /كسوة نت Copyright by:  keswa.net 2009